بعد ما

للنور
بعد أسابيع من الإجراءات والمراجعات، اكتملت الخطوات المطلوبة لاستلام الجايزة، وفقًا للقواعد المنظمة للسحب.
كان المبلغ المعلن 73 مليون دولار، لكن المبلغ النهائي اللي حصلت عليه تأثر بالاختيارات المتاحة والالتزامات الضريبية المرتبطة بالجايزة.
بعد ما اتأكدت من كل التفاصيل مع المحاسب والمستشارين المختصين، بدأت أرتب أموالي بطريقة تضمن لي الاستقرار على المدى الطويل.
مااشتريتش عربية فاخرة، وماانتقلتش فورًا لقصر، وماحاولتش أظهر للناس إني بقيت شخصًا مختلفًا.
كل اللي عملته في البداية إني استأجرت شقة مريحة وقريبة من أمي، وخصصت مكانًا صغيرًا أقدر أشتغل فيه.
وبدأت أجهز الخطوات الأولى لمشروعي.
كنت حاسة بسعادة حقيقية، لأنني أخيرًا بعمل حاجة لنفسي.
لكن السر مااستمرش طويلًا.
بعد فترة قصيرة، ظهر إعلان رسمي عن فوز تذكرة بالجايزة الكبرى، وانتشر الخبر على مواقع الأخبار المحلية.
ماكانش اسمي منشورًا في البداية، لكن بعض التفاصيل خلت ناس تعرفني تبدأ تتساءل إذا كنت أنا الفائزة.
وفي يوم، اتصلت بيا صديقة قديمة وقالت
هو إنتِ اللي كسبتي الجايزة؟
سكت للحظة.
كنت عارفة إن السؤال ده هييجي عاجلًا أو آجلًا.
قلت لها
في إجراءات رسمية اتعملت، لكن مش حابة أتكلم عن تفاصيل مالية شخصية.
احترمت ردي، لكن الخبر بدأ ينتشر بين بعض المعارف.
وبعد يومين، اتصل بيا جوزي.
كان صوته مختلفًا تمامًا عن آخر مرة اتكلمنا فيها.
قال
سمعت خبر غريب عنك.
قلت
خير؟
قال
بيقولوا إنك كسبتي اليانصيب.
سكت لحظة، وبعدها سأل
ده صحيح؟
ماكانش عندي سبب أخفي عنه حقيقة عامة بقت متداولة، لكنني ماكنتش مضطرة أشاركه أي تفاصيل مالية.
قلت
أيوه، كسبت الجايزة.
ماسمعتش أي رد لعدة ثوانٍ.
وبعدين قال
إنتِ كسبتي كام؟
قلت
المبلغ المعلن كان 73 مليون دولار، والمبلغ النهائي اتحدد بعد الإجراءات الرسمية.
صوته اتغير.
73 مليون؟!
قلت
أيوه.
سكت فترة طويلة، وبعدها بدأ يضحك ضحكة قصيرة مش مفهومة.
قال
إنتِ كنتِ عارفة وإنتِ لسه في البيت؟
قلت
أيوه.
وليه ماقلتيليش؟
السؤال كان غريبًا لدرجة إني احتجت لحظة عشان أستوعبه.
هو دخل البيت مع امرأة تانية، وطلب مني الطلاق، وحدد لي موعدًا أخرج فيه، وكان مستني إني أترجاه.
ودلوقتي، بعد ما عرف بالجايزة، بيسألني ليه ماشاركتش معاه الخبر.
قلت
كنت لسه بتأكد من الإجراءات، وإنت كنت أعلنت إنك عايز تنهي الجوازة.
قال بسرعة
بس إحنا كنا متجوزين وقتها!
رديت
وده موضوع المحامين والقانون، مش موضوع مكالمة تليفون.
بدأ صوته يعلى.
إنتِ عارفة إننا لازم نتكلم في الموضوع ده!
قلت
أي حاجة تخص الطلاق والممتلكات هتتم من خلال المحامين.
وبعدين أنهيت المكالمة بهدوء.
بعد أقل من ساعة، وصلتني رسالة منه.
كتب إنه عايز يقابلني فورًا، وإنه عنده كلام مهم لازم يقوله.
ما رديتش.
اتصلت بمحاميتي، وبلغتها إن جوزي عرف بالجايزة، وطلبت منها تراجع معايا إذا كان في أي إجراءات إضافية لازم ناخدها لحماية خصوصيتي ومصالحي.
قالت لي إن أهم حاجة هي الالتزام بالقانون، وعدم إخفاء أي معلومات مطلوبة رسميًا، وعدم الدخول في اتفاقات غير موثقة تحت ضغط عاطفي.
وافقتها.
كنت عارفة إن الجايزة هتغير طريقة تعامل بعض الناس معايا، لكنني ماكنتش مستعدة أخليها تغير نظرتي لنفسي.
أنا ما بقيتش شخصًا يستحق الاحترام بسبب 73 مليون دولار.
أنا كنت أستحق الاحترام قبل الجايزة، وأستحقه بعدها.
وفي المساء، اتصل بيا جوزي مرة تانية.
المرة دي، كان صوته هاديًا.
قال
أنا عايز أعتذر.
سكتُّ.
كمل
أنا عارف إن الطريقة اللي اتعاملت بيها معاكي كانت غلط.
سألته
كنت هتعتذر لو ماكنتش كسبت الجايزة؟
ما ردش.
والصمت كان كافيًا عشان أفهم إن السؤال لمس نقطة ماكانش مستعد يواجهها.
قلت
أنا مش عايزة خناقات. لكن الاعتذار مش معناه إن كل حاجة ترجع زي ما كانت.
قال
أنا فاهم.
لكنني ماكنتش متأكدة إنه فاهم فعلًا.
الجزء الحادي عشر هل كان ندمان على خسارتي… ولا على خسارة الفلوس؟
في الأيام اللي بعدها، بدأت رسائل جوزي تزيد.
مرة يقول إنه مشتاق للكلام معايا.
ومرة يقول إنه اكتشف إنه استعجل في قرار الطلاق.
ومرة يقول إن الست سنين اللي عشناهم سوا ماينفعش ينتهوا بالشكل ده.
كنت بقرأ الرسائل، وأفكر في الفرق بين الندم الحقيقي والندم اللي بيظهر لما الإنسان يكتشف إنه خسر فرصة كان فاكر إنها مضمونة.
قبل ما يعرف بالجايزة، كان مستعدًا يخرجني من البيت من غير ما يسأل أنا هروح فين.
كان شايف إن مستقبله مع امرأة تانية أهم من أي التزام بيننا.
لكن بمجرد ما عرف إن عندي ثروة كبيرة، بدأ يتكلم عن العِشرة والذكريات والثقة.
ماكانش عندي طريقة أعرف بيها كل اللي بيدور في دماغه، لكن أفعاله السابقة كانت كافية عشان أكون حذرة.
بعد فترة، طلب يقابلني في مكتب المحامية عشان نتكلم عن ترتيبات الطلاق.
وافقت.
وصلت في الموعد المحدد، ولقيته قاعد في غرفة الاجتماعات، ووشه عليه علامات التوتر.
بدأ الكلام باعتذار طويل.
قال إنه كان تحت ضغط الشغل، وإنه اتصرف بأنانية، وإن علاقته بفانيسا كانت خطأ.
سمعته من غير مقاطعة.
وبعدين قال
أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة، لكن أنا عايز فرصة أصلح اللي حصل.
سألته
تصلح إيه بالظبط؟
قال
كل حاجة.
قلت
إزاي؟
اتردد.
نبدأ من جديد.
بصيت له للحظات.
من جديد بعد ما دخلت البيت مع واحدة تانية وطلبت مني أمشي؟
خفض عينيه.
قلت
أنا مش هقدر أرجع لنفس الحياة، حتى لو إنت قررت دلوقتي إنك عايزني.
قال
أنا كنت غلطان.
قلت
أيوه، كنت غلطان. لكن المشكلة مش في غلطة واحدة. المشكلة إنك كنت متأكد إنني هقبل أي حاجة منك، وإنك تقدر تحدد مستقبلي لوحدك.
حاول يتكلم، لكنني كملت
أنا كنت بحبك، وكنت مستعدة أشاركك كل حاجة. لكنك اخترت تنهي الجوازة، وأنا هحترم قرارك، وهكمل حياتي.
قال بصوت منخفض
يعني مفيش أي فرصة؟
رديت
أنا مش عايزة أرجع للجوازة دي.
سكت طويلًا.
وبعدين بدأ يتكلم عن الجايزة، وإنها ممكن تفتح لنا فرصة نعيش حياة أفضل، وإننا نقدر ننسى الماضي.
وهنا فهمت إن الحديث اللي بدأ باعتذار، رجع تاني للفلوس.
قلت له
الجايزة مش هتصلح علاقة انتهت بسبب فقدان الثقة.
قال
أنا مش بطلب منك فلوس.
بصيت له وقلت
أنا ماقلتش إنك طلبت فلوس. أنا بقول إن المال مش هيكون سببًا في رجوعي.
سكت.
وبعدين انتهى اللقاء.
ماخرجتش من المكتب منتصرة، ولا كنت عايزة أشوفه مكسورًا.
كنت بس حاسة براحة عميقة، لأنني أخيرًا قلت اللي جوايا من غير ما أخاف من رد فعله.
خلال الأسابيع التالية، استمرت إجراءات الطلاق من خلال المحامين، واتراجع وضع البيت والمستندات المالية وفقًا للقانون.
ماكانش كل شيء سهلًا، وماكانش كل خلاف بيتحل من أول جلسة.
لكنني تعلمت إن الحل العادل مش لازم يكون سريعًا، وإن الحفاظ على الحقوق مش معناه الاڼتقام.
وفي نفس الوقت، كنت بجهز افتتاح استوديو التصميم الخاص بيا.
اخترت مكانًا صغيرًا، وبدأت أتعامل مع العملاء، وأبني فريقًا محدودًا.
كان المشروع في بدايته، لكنني كنت سعيدة بكل خطوة فيه.
كنت أقدر أستعين بأفضل الخبراء وأجهز مكانًا ضخمًا من أول يوم، لكنني فضلت أبدأ بهدوء، وأفهم احتياجات السوق، وأكبر تدريجيًا.
الفلوس كانت بتديني فرصة أختار، ودي كانت أهم ميزة فيها.
ماعدتش مضطرة أقبل أي عميل عشان أخاف من الفواتير.
وماعدتش مضطرة أأجل حلمي عشان شخص تاني شايف إن طموحه أهم.
أما أمي، فبدأت أساعدها في تحسين بيتها، من غير ما أغير حياتها بالكامل أو أحسسها إنها فقدت استقلالها.
كنت عايزة أديها الراحة اللي تستحقها، وأفضل في نفس الوقت بنتها اللي بتقعد معاها تشرب الشاي وتتكلم عن تفاصيل اليوم العادية.
ومع مرور الوقت، بدأت أكتشف إن السعادة مش مرتبطة بحجم البيت أو سعر العربية.
السعادة كانت في إني أصحى الصبح من غير خوف من مكالمة غاضبة.
وفي إني أشتغل على مشروع بحبه.
وفي إني أقدر أقول لأ من غير ما أخاف إن الشخص اللي قدامي هيسحب مني الأمان.
الجزء الأخير
متابعة القراءة
صفحة
6
/ 7
انت في الصفحة 7 من 7 صفحات

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *