وانا عندي
وأنا عندي 65 سنة، دخلت بنك في القاهرة عشان أصرف ال 30 ألف جنيه اللي طليقي سابهم لي يوم طلاقنا. كنا متجوزين من 37 سنة، وكنت أموت من الجوع ولا إني أمد إيدي على الكارت ده. بس لما الموظفة راجعت الحساب، نادت المدير وقالوا لي لازم أقعد، حسيت ساعتها إن رأفت خابى عني حاجة طوال خمس سنين.
لحد دلوقتي فاكرة يوم ما تطلقنا. رأفت خرج من المحكمة بنفس الهدوء اللي كان بيخرج بيه زمان من البيت عشان رايح شغله. ظبط بدلته، طلع كارت بنكي من محفظته وحطه في إيدي.
خدي. دول 30 ألف جنيه.. يكفوتك لغاية ما تشوفي حالك.
بصيت له وكنت مستنية أي نظرة زعل. حتى لو اعتذار تعبان. بس كل اللي قاله يسألني لو كنت فهمت ولا لأ.
بعد 37 سنة أكل ومرعى وخدمة، وبظبط له حسابات ورشته الصغيرة، وبأكل العيال وهو شغال، دي كانت الكلمة الوحيدة اللي أسمعها منه.
فهمت كويس قوي يا رأفت رديت عليه.
حطيت الكارت في شنطتي وشفته ماشي في الممر من غير ما يلتف وراه.
أنا أصلاً جيت من إسكندرية وأنا صغيرة. وهناك في القاهرة بنينا بيتنا وفتحنا حتة ورشة أدوات منزلية حتة بحتة. سنين
وأنا أرد على التليفونات، أكتب الطلبات وأحصل الفلوس من غير ما أقبض مليم. كنت فاكرة إننا شغالين لينا احنا الاتنين.
ولما رأفت قرر يمشي، اكتشفت إن في بلاوي في جوازنا ما كنتش أعرفها.
أجرت أوضة صغيرة السقف بتاعها منقط رطوبة. الشباك كان بيترعش أول ما الهوا يسقع، وفي ليالي كنت بحط فوطة تحت الباب عشان الهوا الساقع ما يدخلش.
كنت بنظف بيوت ناس، أقف أحرس العربيات قدام صيدلية، وألم كرتون وقزايز لما ما بيبقاش فيه شغل. جزمي فتحت من تحت، لحمتها بغراء وكملت مشي.
عيالي، ليلى ودانيال، كانوا بيساعدوني لما يقدروا. ما هم كمان عندهم بيوت ومصاريف.
يا ماما، متأكدة إنك مش محتاجة حاجة؟ ليلى كانت بتسألني.
أنا زي الفل يا حبيبتي، ما تقلقيش عليا.
اتعلمت أقول الكدبة دي وأنا بضحك.
في علبة صفيح، تحت صور قديمة، الكارت كان لسه محطوط. عمري ما استعملته.
مش عشان كان معايا فلوس وفاضية. ده أنا أحيانا كنت بتعشى شاي وحتة عيش حاف. بس ال 30 ألف جنيه دول كانوا في نظري التمن اللي رأفت حطه لكل عمري.
وأنا ما كنتش قابلة التمن ده.
من كم يوم، وأنا راجعة من
الشغل، حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي. لحقت أمسك في الحيطة قبل ما أدوخ وأقع.
واحدة جارتي لقتني وساعدتني أروح عيادة.
الدكتورة شافت التحاليل وكلمتني بجدية لسه واقجة في ودني.
يا ست إيناس، عندك أنيميا حادة. لازم نعمل فحوصات تانية عشان نعرف إيه سببها. ما ينفعش تفضلي مطنشة كده.
سألتها الحاجات دي هتكلف كام.
ولما سمعت الرقم التقريبي، وطيت رادي.
بالليل طلعت علبة الصفيح. الكارت كان الحرف بتاعه مقشر وفيه علامة صغيرة أنا عملتها بإيدي وأنا بشيله من سنين.
فضل ماسكاه ومطولة قوي.
مش هخلي عِزتي بنفسي ترميني المستشفى وأنا في الآخرة كلمت نفسي بصوت واطي.
الصبح لبست بالطو الجملي بتاعي، لمېت شعري الأبيض كحكة ومشيت لحد البنك وشنطتي اللي متصلحة.
الفرع كان ريحته ديتول وقهوة سخنة. ناس قاعدة بتلعب في تليفوناتهم وموظفين بيتكلموا بصوت واطي ورا المكاتب.
قربت من موظفة صغنونة وحطيت الكارت على الكاونتر.
عايزة أسحب كل اللي هنا لو سمحت.
البنت شافت بطاقتي، كتبت كلمتين على الكمبيوتر وحاجبها كشّ شوية.
رجعت كتبت تاني.
هو فيه مشكلة؟ سألتها.
بصت
لي بنظرة غريبة.
يا حاجة، الحساب ده