وانا عندي
صړاخ حصل.
ولا رجوع.
طلعت من المكتب ده ومعايا صور الأوراق في شنطتي القديمة. ما حسيتش إني كسبت معركة خيالية. حسيت إني استرديت حق حكي قصتي من غير ما أستأذن حد.
الشهور اللي بعدها كانت مختلفة، مش سهلة، بس مختلفة.
فضلت أروح العيادة، عملت تحاليل جديدة، بدأت العلاج الصح، واتعلمت آخد الراحة بجدية. فيه أيام كنت بتعب وفي أيام تانية قدرت أتمشى أكتر من غير وقوف.
ليلى ساعدتني أدور على شقة. لقينا واحدة صغيرة، مطبخها بسيط وشباكها بيقفل كويس. أول ما دخلت، فتحته.
ما كانش فيه ريحة رطوبة.
النور كان واصل للارض.
قدرت أشتري أكل لكذا يوم من غير ما أعد كل قرش. بطلت ألم قزايز ورفضت شغل التنظيف اللي بيتعب جسمي.
شلت جزء من الفلوس للعلاج، الإيجار والمستقبل. درته بحرص، زي ما كنت بدير حسابات الورشة سنين طويلة.
دانيال دخل عليا يوم ومعاه عدة عشان يصلح باب بيقفل بصوت مزعج. وهو شغال، سألني إذا كنت زعلانة من رأفت.
آيوة رديت عليه.
ابني ساب المفك.
افتكرت إنك بعد ما تاخدي فلوسك هتبقي أهدى.
أنا أهدى فعلاً. ده مش معناه إن الۏجع راح.
قعد جنبي.
فهمته إن الفلوس بتقدر تدفع ثمن دواء، أكل، ومكان آمن نعيش فيه، بس مش هترجع أعياد الميلاد اللي قضيتها لوحدي ولا الليالي اللي خفت فيها من بكرة.
دانيال سمعني.
مش لازم تسامحيه عشان إحنا عاوزين الأمور تبقى كويسة قال.
شكرته على الكلمات دي.
وتعلمت حاجة عن نفسي كمان. طوال خمس سنين كنت ملخبطة بين طلب المساعدة وفقدان الكرامة. كنت فاكرة إن الصمت هو الطريقة الوحيدة عشان أثبت إني أقدر أكمل.
بس صباح الدوخة فهمت إن صحتي مش لازم تكون ثمن كرامتي.
وفي صباح البنك فهمت حاجة تانية رأفت استخدم الصمت عشان يهرب من مواجهة اللي يخصني، وأنا استخدمت صمتي عشان محدش يعرف قد إيه كنت پتألم.
ما كانوش صمتين شبه بعض، بس الاتنين حبسوني.
يوم بالليل طلعت علبة الصفيح وحطيت الكارت القديم على الترابيزة. كانت نفس الحرف المتآكل. وجنبها حطيت جواب رأفت والإقرار الممضي.
فضلت باصة للثلاث حاجات دول لفترة.
الكارت كان معناه إهانة.
والجواب أجبرني أفتكر ظلم.
والورق ده ما مسحش حاجة، بس ساب أثر إن الورشة كانت بتاعتي برضه.
شنت الورق المهم في ملف وحفظت الكارت في العلبة.
مش عشان ذكرى رأفت.
عشان ذكرى الست اللي قدرت تعيش لما افتكرت إنها خسړت كل حاجة.
النهارده عندي 65 سنة. لسه بقلق على صحتي، الحسابات والمستقبل. مش هفتكر إن ال 630 ألف جنيه هتحل حياة كاملة ولا خمس سنين تعب هتمسحهم شاشة كمبيوتر.
بس دلوقتي أقدر أعالج نفسي، أرتاح وأعيش من غير الخۏف الدائم من بكرة.
رأفت مشي من خمس سنين، بعد 37 سنة مع بعض. لسنين طويلة ظنيت إن مشيه حدد سعري وقيمتي.
كنت غلطانة.
قيمتي ما كانتش في ال 30 ألف جنيه اللي رماها لي بقلة تقدير، ولا في ال 630 ألف اللي عرفتهم بعدين. قيمتي كانت في كل يوم شلت فيه عيلتي، كل شغل عملته، والقوة اللي لقيتها عشان أطلب بالحقيقة.
أكتر حاجة هزتني الصبح ده في البنك ما كانتش إني لقيت فلوس.
كان إني فهمت إني عمري ما كان لازم أرضى إن حد يحط سعر لحياتي.
ولأول مرة من سنين طويلة، وأنا بقفل باب شقتي الجديدة، حسيت إن بكرة رجع يخصني.
النهاية