وانا عندي
طليقك جابه من كذا شهر كرمة شرحتلي وطلب إنه يسلمه لك لما تيجي بنفسك ونتأكد من هويتك. إحنا نقدر نأكد الحركات اللي في الحساب، بس محتوى الجواب ده مسؤولية اللي كتبه.
عرضت عليا أفتحه بنفسي.
فتحت الحرف بحذر. جوه كان فيه جواب صفحتين، بيان بالتحويلات، وصورة من عقد بيع.
عرفت خط رأفت من أول سطر.
يا إيناس، الفلوس دي مش هدية. دي جزء من حقك اللي كان لازم تاخديه.
قريت الكلمات دي كذا مرة.
وتحت، رأفت كان بيوضح إنه باع الورشة القديمة بعد الطلاق. وكتب إنه قبل ما ننفصل كان جاله عرض عشان يشتريها، بس ما قالش لي أي حاجة.
حسيت إني رجعت لسنة جوازنا الأخيرة.
افتكرت الأوقات اللي كان رأفت بيشتكي فيها من ظروف الشغل. كان بيقول إن الزباين ما بقتش تصلح الأجهزة زي زمان، وإن كل حاجة غالية ومادوبك بنغطي المصاريف.
كنت مصدقاه.
بنينا الورشة دي بترابيزتين سلف، صندوق عدة، وكشكول مدرسة كنا بنكتب فيه الطلبات الأولى. رأفت كان بيصلح الغسالات والثلاجات، وأنا كنت برد على التليفونات، أتصرف في الغيار، أحصل الفلوس وأنظف المكان.
ولما ليلى كانت صغيرة، كنا بنفرش
لها بطانية ورا الكاونتر عشان تنام لحد ما
نخلص شغل. ودانيال اتعلم يعمل واجبه على ترابيزة كانت أصلاً بتستخدم لفحص المواتير.
عُمري ما قبضت مرتب ثابت. لو فلوس دخلت، كنا بنشتري أكل وندفع اللي علينا. كنت فاكرة إن مافيش فرق بين بتاعي وبتاعه.
الجواب اللي قدامي كان بيقول كلام تاني خالص.
رأفت اعترف إن الورشة اتباعت بمبلغ خلاه يقدر يسيب لي 630 ألف جنيه كحصتي. بس بدل ما يتكلم معايا ويعترف باللي خاباه، قرر يسيب ال 30 ألف بتوع أول يوم ويحول 10 آلاف كل شهر لحد ما يكمل الباقي.
ما عرفتش أقولك الحقيقة بعد كل اللي حصل.. ده اللي كتبه.
الجملة دي خلتني أجز على ضراعي.
ما عرفش يقولي الحقيقة، بس عرف يمشي بسهولة. عرف يقف قدامي في ممر المحكمة ويقولي إن ال ألف جنيه دول هيقضوني فترة.
قريت تاني صورة البيع. كان مكتوب اسم الشغلانة وتاريخ بعد طلاقنا.
ده معناه إن الفلوس دي كانت بتاعتي؟ سألت.
كرمة اختارت كلامها بوزن.
الحساب باسمك. تقدري تتصرفي في الرصيد بعد إجراءات التحقق. وبالنسبة للي كان ليك في الورشة، هتحتاجي تراجعي الأوراق دي مع محامية.
الرد بان لي عقلاني. ما كنتش عاوزة حد تاني يقرر عني معنى الجواب ده.
طلبت نسخة من كشف الحساب. كرمة شرحت لي إزاي أحدث بياناتي، أبدل الكارت القديم بواحد جديد، وأحمي فلوسي.
وسألتني كمان لو بجد عاوزة أسحب كله كاش.
بصيت لشنطتي، اللي كنت مخيطاها بخيط أخضر لأني ما كنتش عاوزة أشتري غيرها.
لا رديت أنا محتاجة بس قد كشوفاتي الطبية ومصاريفي اللي في إيدي دلوقتي.
دي كانت أول قرار أخدته بخصوص الفلوس دي ومعايا كل الحقيقة قدامي.
لما طلعت من البنك، الهوا الساقع خبط في وشي. مشيت لحد دكة وقعدت والظرف لازق في صدري.
بره الدنيا كانت زي ما هي. أتوبيسات معدية، ست بتزق عربية أطفال، وراجل پيتخانق في التليفون. مافيش حد يقدر يخمّن إن ست عجوزة بجزمة متصلحة لسه مكتشفة إنها عاشت خمس سنين في الفقر وهي ما تعرفش اللي في حسابها.
طلعت التليفون وكلمت ليلى.
يا ليلى، تعالي خديني لو سمحتِ.
فيه إيه يا ماما؟ حاسة بتعب تاني؟
حاولت أشرح لها وما عرفتش.
ليلى جت وهي مقلقة. أول ما شافتها، ركبت قدامي على ركبتها وبصت في عيني.
قوليلى إيه اللي حصل.
مديت لها الورق.
الأول شافت الرصيد، وبعدين قريت جواب رأفت. ورجعت قريته تاني لأنها كأني، كانت مش مصدقة.
بابا عمل ده كله؟
زي ما مكتوب هنا.
ليلى قعدت جنبي.
يا ماما، ليه عمري ما سمعت منك إنك جعانة ومش لقية تاكلي؟
كلماتها وجعتني أكتر من البرد.
حكيت لها على عشا الشاي، المرات اللي كنت بطفي فيها الدفاية عشان أوفر، والأيام اللي كنت بمشي فيها مسافات طويلة لأني مش قادرة أركب مواصلات.
وقلت لها كمان إني عمري ما قربت من الكارت عشان كنت شايفاه إهانة.
بنتي بدأت ټعيط.
أنا كنت عارفة إنك بتعاني، بس ما كنتش اعرف إنه للدرجادي.
ما إنتي كمان كان عندك بيتك ومشاكلك.
آيوة يا ماما، بس إنتي أمي.. مش لازم تخبي علينا كل حاجة.
مسكت إيدي. صوابعها كانت خشنة من كتر الشغل.
ما حاولتش تقنعني إن رأفت كان طيب عشان حط الفلوس، ولا هزأتني عشان كرامتي. كل اللي عملته أنها حضرت معايا لم الورق وسألتني عاوزة نبدأ بإيه الأول.
قلت لها إني عاوزة أرجع العيادة.
نفس اليوم بالليل دفعنا ثمن التحاليل اللي كنت مأجلها. الدكتورة رجعت أكدت إن الأنيميا محتاجة علاج وإننا لازم نعرف سببها. وطلبت مني أمشي على التعليمات، أجي المواعيد، وما رجعش للشغل الصعب دلوقتي.