رجعت البيت
هل كانت مجرد محاولة لتشتيت انتباهي؟ ولا كان فيه فعلًا شيء مخفي؟
قررت أتصل بالمحامي وأحكيله عن كل التفاصيل الجديدة، واتفقنا إننا ما نتحركش بناءً على التخمين، وإننا نراجع المستندات واحدة واحدة.
في اليوم التالي، وصلني اتصال من أمي.
كانت بتتكلم بصوت منخفض، وكأنها خايفة حد يسمعها.
أحمد، لازم أشوفك لوحدك.
سألتها
ليه؟
قالت
فيه حاجة ما قلتهاش لك عن أبوك. حاجة لو عرفتها من كريم، هيفهمك الموضوع بطريقة غلط.
رفضت أقابلها لوحدي، وقلت لها إننا ممكن نتقابل في مكان عام بحضور المحامي.
في البداية اعترضت، لكنها وافقت في النهاية.
اتقابلنا في مكتب المحامي بعد الظهر.
أمي دخلت وهي شايلة حقيبة صغيرة، وقعدت قدامي من غير ما ترفع عينيها.
طلعت من الحقيبة مفتاحًا قديمًا، وحطته على الترابيزة.
وقالت
ده مفتاح الخزنة اللي كريم كان بيسأل عنها.
المحامي سألها
والخزنة دي موجودة فين؟
ردت
في بنك قديم كان أبو أحمد بيتعامل معاه. الخزنة كانت باسمه، وبعد وفاته ما اتفتحتش.
سألتها
وإنتِ تعرفي إيه اللي جواها؟
أمي اترددت، وبعدها قالت
أعرف إن أبوك كان محتفظ بأوراق مهمة تخص أملاكه ومدخراته. لكن ما أعرفش إذا كانت الخزنة لسه موجودة أو إيه محتوياتها بالضبط.
المحامي أخذ المفتاح بعد ما وثقنا وجوده، وقال إنه لازم نتواصل مع البنك ونتبع الإجراءات الرسمية الخاصة بخزائن المتوفين والورثة.
وبعدين أمي بصت لي وقالت
يا أحمد، أنا عارفة إني غلطت في حقك وحق نهى. لكن كريم كان بيهددني، وبيقول لي إنه لو ما ساعدتوش، هيكشف أسرار تخص أبوك، وهيخليني أخسر كل حاجة.
سألتها
أسرار إيه؟
ردت وهي تبكي
أبوك قبل ما يموت، كان فيه خلاف كبير بينه وبين واحد من شركائه. وبعد وفاته، الشريك ده اختفى من حياتنا، لكن كريم رجع يتواصل معاه من فترة.
المحامي رفع رأسه فورًا.
هل تعرفي اسم الشريك؟
أمي قالت اسمًا ما كنتش سمعته من سنين طويلة.
الحاج فؤاد.
كان رجل أعمال اشتغل مع أبويا في تجارة مواد البناء، وكنت فاكر إن علاقتهم انتهت قبل وفاة أبويا بوقت طويل.
المحامي سجل الاسم، وطلب من أمي أي مستندات تثبت وجود شراكة أو التزامات مالية بين الرجل ووالدي.
لكن أمي أضافت معلومة أخطر
كريم قال لي إن فؤاد عنده أوراق تثبت إن أبو أحمد
كان مدين له بمبلغ كبير، وإنه ممكن يطالب بالفلوس من الورثة.
سألتها بصدمة
وإنتِ ليه ما قلتليش الكلام ده
من الأول؟!
قالت
لأني ما كنتش عارفة إذا كان الكلام حقيقي. لكن كريم كان بيقول إنه لو قدر يبيع الشقة، هيستخدم الفلوس عشان يسدد المبلغ، ويخلص من المشكلة كلها.
المحامي تدخل فورًا
حتى لو كان فيه دين حقيقي على التركة، ده ما يديش لأي حد الحق إنه يبيع شقة مملوكة لشخص آخر من غير سند قانوني. لازم نعرف طبيعة الدين، وهل هو ثابت أصلًا، ومين المسؤول عنه قانونًا.
لأول مرة، بدأت أفهم إن كريم ممكن يكون بيستخدم قصة الديون عشان يبرر محاولته الاستيلاء على شقتي.
لكن السؤال كان هل هو ضحية تهديد من شريك أبي، ولا شريك معاه في الخطة؟
بعد عدة أيام من مراجعة الأوراق والتواصل مع البنك، قدرنا نحدد موعدًا لاستكمال الإجراءات المتعلقة بالخزنة القديمة.
رحت مع المحامي، وبعد التحقق من المستندات المطلوبة، سمح لنا البنك بمراجعة المحتويات وفق الإجراءات المعمول بها.
كانت الخزنة صغيرة، وجواها مجموعة أوراق قديمة، وصور، ودفتر حسابات، وظرف مختوم.
فتحنا الظرف، ولقينا رسالة من أبويا، ومعاها مستندات مالية محتاجة مراجعة دقيقة.
المحامي بدأ يقارن التواريخ والأرقام، وبعد وقت طويل، بص لي وقال
يا أحمد، فيه اختلاف مهم بين الأرقام الموجودة في دفتر الحسابات وبين المبلغ اللي كريم بيقول إن والدك كان مدينًا به.
سألته
يعني إيه؟
قال
معناه إننا ما نقدرش نقبل رواية كريم أو رواية فؤاد من غير مراجعة المستندات الأصلية. ممكن يكون فيه حساب قديم اتسوّى، وممكن يكون فيه نزاع مالي حقيقي، لكن لازم نثبت ده بالأدلة.
وبينما كنا بنراجع باقي الأوراق، لقيت صورة قديمة لأبويا واقف جنب رجل أعرفه.
كان الحاج فؤاد.
لكن اللي خلاني أتجمد في مكاني، إن فيه شخص ثالث واقف معاهم في الصورة.
شخص كنت فاكره مات من سنين طويلة.
عمي محمود، أخو أبويا اللي العيلة كلها قالت إنه مات بعد سفره خارج مصر!
بصيت للمحامي، وقلت بصوت منخفض
إزاي عمي موجود في الصورة دي؟!
قلبت الصورة، ولقيت على ظهرها تاريخًا مكتوبًا بخط أبويا، وبعده جملة قصيرة
الحق مش هيضيع طول ما الحقيقة موجودة، حتى لو اتأخرت سنين.
في اللحظة دي، موبايلي رن.
رقم مجهول.
رديت، فسمعت صوت رجل كبير في السن بيقول
أحمد ابن محمود؟ أنا محتاج أقابلك. فيه حقيقة عن أبوك وأمك وأخوك لازم تعرفها
قبل ما تضيع منك عيلتك كلها.
سألته بسرعة
حضرتك مين؟
رد
أنا الحاج فؤاد.
وبعدها قال جملة واحدة خلتني أقبض على الموبايل بقوة
أبوك ما ماتش وهو سايب ديون بس يا أحمد أبوك مات وهو عارف إن فيه حد من أقرب الناس ليه بيخونه.
وانقطع الخط.
بصيت للمحامي، وبعدها للصورة اللي في إيدي.
كنت فاكر إن كل اللي بمر بيه سببه طمع أمي وأخويا، لكن واضح إن فيه قصة أقدم من كده بكتير.
قصة بدأت قبل ما أتجوز نهى، وققبل ما أشتري الشقة، ويمكن قبل ما أفهم أصلاً معنى إن الإنسان يثق في عيلته.
يتبع في الجزء السابع
الجزء السادس الحقيقة اللي نهى كانت خايفة تحكيها!
بصيت لنهى وأنا حاسس إن قلبي بيتعصر من الوجع.
كانت قاعدة على الكنبة، رجلها المصابة مرفوعة على مخدة، وابننا الصغير نايم في حضنها. عينيها كانت حمرا من العياط، وإيديها بتترعش وهي بتحاول تفتح الصورة اللي وصلتني.
قالت بصوت مبحوح
أحمد، الراجل اللي اسمه مكتوب في الورقة دي اسمه دكتور سامح. ده الدكتور اللي تابعني في آخر شهور الحمل، وهو اللي كان موجود يوم ولادة ابننا.
سألتها باستغراب
طب إيه المشكلة؟ ده دكتورك، مش كده؟
هزت رأسها بسرعة.
أيوه، لكن كريم أخد مني نسخة من ملفي الطبي من غير إذني، وأنا ما كنتش أعرف إنه محتفظ بيها. الورقة اللي بعتها لك ممكن يكون فيها بيانات اتفهمت غلط، أو جزء من ملف أكبر. أنا نفسي مش عارفة هو عايز يوصل لإيه.
قعدت جنبها، وقلت
طيب، هل فيه أي حاجة في الورقة دي تخص نسب ابننا أو تثبت الكلام اللي بيقوله؟
بصت لي مباشرة، وقالت بحزم رغم دموعها
لا يا أحمد. ابننا ابنك، وأنا عمري ما خنتك. أنا مش هطلب منك تصدقني لمجرد إني بعيط، لكن أرجوك ما تسمحش لكريم يستخدم ابننا عشان ينتقم منك.
الكلام ده خلاني أراجع نفسي.
أنا كنت غاضبًا ومصدومًا، لكن الغضب مش دليل، والرسالة المجهولة مش حقيقة لمجرد إنها مكتوبة على ورقة شكلها رسمي.
مسكت إيد نهى وقلت
أنا مش هتهمك بحاجة من غير دليل. هنراجع المستند عند محامٍ، ولو احتجنا نتأكد من أي معلومة طبية، هنعمل ده بالطريقة الصحيحة. لكن محدش هيستخدم ابننا سلاح ضدنا.
في اللحظة دي، جرس الباب رن بعنف.
نهى انتفضت من مكانها، وحضنت ابننا بقوة.
بصيت من العين السحرية، ولقيت كريم واقف قدام الباب، ومعاه راجل
غريب.
فتحت الباب فتحة صغيرة، ووقفت في مواجهتهم.
كريم اتكلم بعصبية
إنت لازم تسمعني يا أحمد! الراجل ده معاه أوراق تثبت إنك مش فاهم حاجة عن اللي بيحصل في بيتك!
الراجل الغريب رفع ملفًا بنيًا وقال
أنا الأستاذ شريف، محامٍ موكل من السيد كريم في بعض المسائل المالية. عندنا مستندات محتاجة تتراجع، ونطلب إنك تتعاون معانا.
رديت بهدوء
أي مستندات تخصني أو تخص شقتي تتبعت لمحاميّ. وأنا مش هتناقش في حقوق ملكية أو أمور عائلية على باب البيت.
كريم زعق
إنت بتتهرب ليه؟! لو واثق من نفسك، انزل معانا!
قلت له
أنا مش بتهرب. أنا بحافظ على حقي وبمشي بالإجراءات القانونية.
حاول كريم يدخل من الباب، لكني منعته من غير ما أمد إيدي عليه.
قلت له بوضوح