لم اكن اتخيل
وأراني شيئًا.
كانت البطاقة القديمة نفسها.
البطاقة المغبرة.
قال:
— كانت بمحفظتك يوم ساعدتك. طاحت منك بمحطة الوقود قبل سنوات. احتفظت بيها لأن حسّيت يمكن يجي يوم تحتاج تقراها مرة ثانية.
مدها نحوي.
لم أستطع أخذها فورًا.
سألته:
— ليش تعطيني إياها هسه؟
نظر إليّ بهدوء.
وقال:
— لأنك فهمت أخيرًا.
أخذت البطاقة.
وكانت العبارة ما تزال مكتوبة بالحبر الأزرق:
“أحيانًا تحتاج أن تصل إلى القاع حتى تعرف مع من تعيش.”
ضحكت ضحكة مكسورة.
وقلت:
— تأخرت.
هز رأسه.
— ببعض الأمور… نعم.
لم يواسني.
ولم يقل إن الفرص تعود.
ولم يحدثني عن البدايات الجديدة.
اكتفى بالقول:
— لكن مو متأخر حتى تبطل تكون الرجل اللي خسرها.
ثم غادر.
شاهدته يعود إلى الساحة.
حيث كانت سارة تنتظره بين الأضواء الصفراء والزهور البسيطة والناس الذين يحبونهما بصدق.
أمسكت يده فور وصوله.
فانحنى وهمس لها بشيء.
فابتسمت.
وأدرت محرك السيارة ورحلت.
قدت عائدًا إلى بغداد.
وكان الليل يبتلع الطريق شيئًا فشيئًا.
وفي المرآة الخلفية اختفى كل شيء.
اختفت البلدة.
واختفى الحفل.
واختفت الأضواء.
ولم يبقَ سوى الظلام.
لكن للمرة الأولى منذ سنوات…
كان داخل ذلك الظلام شيء صادق.
ألم كبير.
نعم.
لكن أيضًا حقيقة لا يمكن الهروب منها.
والحقيقة كانت بسيطة:
لم أذهب إلى ذلك الزفاف لكي أسخر من امرأة تزوجت عامل بناء بسيطًا.
بل ذهبت دون أن أدري لأواجه الرجل الذي أصبحت عليه.
وأدرك أخيرًا…
أن الفقير الحقيقي لم يكن طه أبدًا.