لم اكن اتخيل
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا لم تسمح لي غروري برؤيته طوال السنوات الماضية.
سارة لم تتزوج رجلًا فقيرًا.
بل تزوجت رجلًا حقيقيًا.
رجلًا بمعنى الكلمة.
ليس اسم عائلة نافذًا.
ولا حسابًا مصرفيًا ضخمًا.
ولا بدلة باهظة تجعل الناس تظن أنه ناجح.
بل رجلًا يعمل بيديه.
ورجلًا لم يكن يومًا ليستخدم امرأة كوسيلة للوصول إلى أهدافه.
شعرت بغصة تخنقني.
كان الضيوف يضحكون ويتبادلون الأحاديث ويجلسون على الكراسي البلاستيكية البيضاء دون أن يلاحظوا أنني كنت على وشك الانهيار وسط الساحة.
الأضواء الصفراء المعلقة بين الأشجار بدأت تضيء مع اقتراب الغروب.
والهواء يحمل رائحة التراب الرطب والورود والطعام العراقي المنزلي.
كل شيء كان بسيطًا.
وكل شيء كان حقيقيًا.
أما أنا…
ببدلتي الغالية وحذائي الإيطالي المغطى بغبار الطريق…
فرأيت نفسي لأول مرة كما أنا.
مثيرًا للشفقة.
وفي تلك اللحظة خرجت سارة من المنزل.
كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا.
بلا بهرجة.
بلا استعراض.
لم تكن تبدو كعارضة أزياء.
ولم تكن تحاول إثبات أي شيء لأحد.
كانت فقط سعيدة.
وهذا أكثر ما حطم قلبي.
لأن تلك السعادة لم يكن لي أي علاقة بها.
لم تكن سعادة شخص يحاول إثبات أنه اختار الطريق الصحيح بعد خيبة قديمة.
كانت سكينة.
راحة.
سلامًا داخليًا لا يعرفه إلا من توقف عن مطاردة من يجعله يشعر بالنقص.
التقت أعيننا.
ورأيت اللحظة التي عرفتني فيها.
لم ترتبك.
لم تخف.
لم يتغير لون وجهها.
توقفت ثانية واحدة فقط.
ثم تابعت سيرها نحو طه.
وكأنني أصبحت أخيرًا ما كنت عليه منذ سنوات وأرفض الاعتراف به:
مجرد ماضٍ.
قال مقدم الحفل شيئًا لم أسمعه.
كان صوت الدم يضج داخل أذني.
ثم شعرت بيد على كتفي.
كان صديقي القديم.
قال:
— أحمد… أنت بخير؟
لم أستطع الرد.
مد طه يده ليساعد سارة على النزول من الدرجة الصغيرة.
فوضعت يدها في يده بثقة كاملة.
بتلك الطمأنينة التي لا توجد إلا حين تشعر المرأة أنها لن تُهان.
ولن تُستغل.
ولن تُستبدل بأخرى يومًا.
وفجأة تذكرت.
تذكرت سارة وهي تحضر لي القهوة أيام الامتحانات.
وتذكرت انتظارها لي أمام مكتبة الجامعة وهي تحمل لي شطيرة صغيرة لأنها تعرف أنني أوفر ثمن الطعام.
وتذكرت كيف خاطت زر قميصي قبل أول مقابلة عمل مهمة.
وتذكرت دموع الفرح في عينيها عندما وقعت أول عقد كبير في حياتي.