لم اكن اتخيل

ثم تذكرت يوم تركتها.

لمحة نيوز

تلك النظرة التي رمقتني بها عندما قلت إنني أحتاج امرأة تناسب مستقبلي أكثر.

لم أكن صادقًا معها حتى.

لم أعترف أنني كنت أخجل من بساطتها أمام العالم الذي ظننته يستحقني.

وهي لم تتوسل.

وهذا ما أغضبني وقتها.

اكتفت بسؤال واحد:

— وكل اللي بنيناه سوا؟ ما إله أي قيمة؟

وأجبتها بكلام قاسٍ.

كلام صغير.

مؤذٍ.

قلت إن الحب لا يدفع الفواتير.

واليوم كنت أقف هناك أراقب رجلًا آخر يحصل على كل ما احتقرته أنا يومًا.

نظر طه إليها وكأن العالم كله يختفي عندما تكون بقربه.

فابتسمت له.

وعندها استدرت وغادرت.

لم أستطع البقاء.

لم أتحمل ثانية إضافية من تلك الحقيقة.

مشيت بسرعة نحو سيارتي.

كنت أسمع خلفي أحاديث الضيوف ثم الموسيقى الهادئة التي بدأت تعلو.

ناداني صديقي مرتين.

لكنني لم ألتفت.

كانت عيناي تحترقان.

وصدري كله يؤلمني.

وصلت إلى سيارتي.

فتحت الباب.

جلست خلف المقود.

وعندها انهرت.

بكيت.

ليس بكاءً هادئًا.

ولا بكاء رجل يحاول حفظ ما تبقى من كرامته.

بكيت وأنا منحنٍ فوق المقود.

أضرب الجلد الفاخر بيدي وكأنني أحاول انتزاع السنوات الضائعة من حياتي.

بكيت على سارة.

لكنني بكيت أكثر على نفسي.

على الرجل الذي أصبحت عليه.

على الحياة التي استبدلت بها حياة مليئة بالدفء والصدق.

رنا…

يا إلهي.

في تلك اللحظة فهمت أن ما حدث كان عدالة بطيئة.

تركت سارة لأنني ظننت أن الفقر إهانة.

وأن المال ضمان للسعادة.

لكن لا يوجد مال يعوض غياب الحنان.

ولا يوجد منصب يجعل الكراهية محتملة.

ولا يوجد بيت فاخر يجعل العودة إليه مريحة إذا كان من بداخله لا يحبك.

وأثناء بكائي أدركت شيئًا آخر.

طه لم ينتصر عليّ.

لم يسرق مني شيئًا.

كل ما فعله أنه رأى سارة كما هي.

ورآها بالطريقة التي عجزت أنا عن رؤيتها.

لا أكثر.

لكن ذلك كان كل شيء.

ولا أعرف كم بقيت هناك.

ربما عشر دقائق.

وربما نصف ساعة.

كانت أصوات الموسيقى تصلني مع الهواء.

ثم سمعت تصفيقًا.

ثم ضحكات.

ثم صوت نخب واحتفال.

على الأرجح أصبحا زوجًا وزوجة.

مسحت وجهي.

وحاولت تشغيل السيارة.

لكن يدي كانت ترتجف بشدة.

وفجأة طرق أحدهم على النافذة.

رفعت رأسي.

كان طه.

فتحت النافذة قليلًا.

لم أكن أعرف ماذا يريد.

هل جاء ليطردني؟

أم ليسخر مني؟

أم ليقول كلمات المواساة المعتادة؟

لكنه لم يفعل.

أدخل يده من الفتحة الصغيرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *