لم اكن اتخيل

لم يتوقف قلبي لأنه كان رجلًا فقيرًا، ولا لأنه كان يرتدي بدلة متواضعة، ولا لأن يديه كانتا خشنَتين من العمل بالإسمنت والحديد.
بل لأنه كان رجلًا أعرفه جيدًا.

بل لأنني كنت أعرفه مسبقًا.

كان اسمه طه.

طه الجبوري.

الرجل نفسه الذي أنقذني قبل عامين عندما اصطدمت بسيارتي وأنا في حالة يرثى لها عند أحد التقاطعات في بغداد.

في تلك الليلة كنت محطمًا من الداخل أكثر مما كانت سيارتي محطمة.

كانت رنا قد أهانتني قبل ساعات أمام اثنين من أصدقائها، وقالت ببرود إنني لولا والدها لما وصلت إلى أي مكان.

وكعادتي تظاهرت بأن كلامها لا يؤذيني.

لكنني شربت أكثر مما ينبغي.

وقدت السيارة أكثر مما ينبغي.

ثم اصطدمت.

أتذكر أنني حاولت الخروج من السيارة مترنحًا، غاضبًا، مستعدًا لإلقاء اللوم على أي شيء سوى نفسي.

وفجأة ظهر هو.

لم يكن يرتدي زيًا رسميًا.

فقط قميصًا رماديًا باهتًا، وحذاء عمل متسخًا بالإسمنت، وسيارة بيك أب قديمة مليئة بالأدوات.

أمسكني قبل أن أسقط.

وقال بهدوء:

— اهدأ أستاذ… إذا ناوي تدمر نفسك، لا تسويها وأنت تسوق. ممكن تأذي ناس أبرياء.

كرهته في تلك اللحظة لأنه قال الحقيقة بكل هذا الهدوء.

لم يتصل بالشرطة.

لم يسرقني.

لم يسخر مني.

أخذ مفاتيح السيارة، وأجلسني على الرصيف، وبقي إلى جانبي حتى توقفت يداي عن الارتجاف.

بل إنه أحضر لي قنينة ماء من بقالة كانت توشك على الإغلاق.

وعندما وصلت سيارة السحب، ساعدني في ركوب سيارة الأجرة.

وقبل أن يغادر، وضع شيئًا في جيب سترتي.

في اليوم التالي وجدتها.

بطاقة صغيرة مغبرة تحمل اسمه.

وتحت الاسم عبارة مكتوبة بقلم أزرق:

“أحيانًا تحتاج أن تصل إلى القاع حتى تعرف مع من تعيش.”

لم أعرف يومها لماذا احتفظت بتلك البطاقة.

ربما لأن معظم الناس في حياتي كانوا مزيفين.

أما هو فكان الغريب الوحيد الذي لم يعاملني كشخص مهم.

ولم يعاملني أيضًا كأنني لا شيء.

عاملني فقط كإنسان ما زال يملك حق الاختيار.

والآن كان يقف أمامي.

مرتديًا بدلة العريس.

إلى جانب سارة.

سارتي.

لا…

لم تعد كذلك.

المرأة التي رميتها من حياتي وكأنها مجرد مرحلة مؤقتة في رحلة صعودي.

رفع طه رأسه ونظر نحوي.

عرفني فورًا.

رأيت ذلك في التوتر الخفيف الذي مر على ملامحه.

لكنه لم يبتسم.

ولم يتباهَ.

ولم يشمت.

اكتفى بالنظر إليّ بنفس الهدوء الذي أزعجني ليلة الحادث.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *