اختبرت حب

باب شغل كويس بعد التخرج، لكن الشركة في محافظة تانية، وهحتاج أسافر وأقعد هناك فترة.
ابتسمت تلقائيًا وقلت
دي أخبار حلوة جدًا! طبعًا لازم توافقي.
لكنها فضلت ساكتة، وبعدها قالت
كنت خايفة تحاول تمنعني، أو تعرض عليا فلوس علشان أفضل هنا.
الكلام ده وجعني، لأنه فكرني إن أثر غلطتي لسه موجود.
بصيتلها وقلت
يا سارة، أنا مش عايزك تتخلي عن حلمك علشاني. لو السفر ده هيحققلك اللي بتتمنيه، أنا أول واحد هيشجعك.
لأول مرة من فترة طويلة، شفت ابتسامة حقيقية على وشها.
قالتلي
أنا كنت محتاجة أسمع الكلام ده منك.
وبعدها بأيام، ساعدتها ترتب أمورها، لكن المرة دي استأذنتها قبل ما أقدم أي مساعدة، واحترمت قرارها لما اختارت تعتمد على نفسها في أغلب التفاصيل.
ومع مرور الوقت، بدأت سارة تحقق خطوات مهمة في دراستها وشغلها، وأنا بقيت فخور بيها أكتر من أي نجاح حققته لنفسي.
وفي يوم تخرجها، كنت قاعد وسط الحضور، مستني اسمها يتقال.
ولما طلعت تستلم شهادتها، وقفت وصفقت بكل قوتي.
بعد الحفل، جريت ناحيتي وهي ماسكة شهادتها، وقالت بفرحة
أحمد، أنا عملتها! أخيرًا خلصت الجامعة!
ضحكت وقلت
أنا كنت عارف إنك هتقدري.
لكنها ردت بابتسامة
المهم إني أنا كمان بقيت عارفة إني أقدر.
في اللحظة دي، فهمت إن أجمل حاجة ممكن أقدمها لسارة مش إني أحل كل مشاكلها بفلوسي، لكن إني أكون الشخص اللي يشجعها تحقق أحلامها، من غير ما يحسسها إنها مدينة له بحاجة.
وبعد فترة، قررت أطلب منها نتجوز.
قابلتها في نفس الكافيه اللي اتقابلنا فيه أول مرة، وقلت لها وأنا متوتر
يا سارة، أنا عارف إن علاقتنا مرت بمواقف صعبة بسببي، لكن نفسي نكمل حياتنا سوا. مش هقولك إني بقيت شخص مثالي، لكن أوعدك إني هفضل أتعلم إزاي أكون شريك أحسن ليكي.
سارة فضلت باصة ليّ شوية، وبعدين ابتسمت وقالت
موافقة يا أحمد، بس عندي شرط.
قلبي دق بسرعة، وسألتها
شرط إيه؟
ضحكت وقالت
مفيش اختبارات تاني، لا ليا ولا ليك. لو عندك شك أو خوف، نتكلم بصراحة.
ضحكت أنا كمان، وقلت
وعد.
وبعدها وافقت نتجوز، وبدأنا نخطط لمستقبلنا سوا.
وفي يوم فرحنا، وأنا واقف جنبها، افتكرت الرسالة اللي بعتها لي من سنين أنا مسافرة لمدة خمسة أيام. متتصلش بيا.
وقتها كنت فاكر إنها بتبعد عني، لكن الحقيقة إنها كانت بتحاول تنقذني من أزمة أنا اللي اخترعتها، وبتعمل كل اللي تقدر عليه علشان تساعدني.
قربت منها وهمست
أنا آسف إني خليتك تثبتي حبك بالطريقة دي.
ابتسمت وقالت
خلاص يا أحمد، المهم إننا اتعلمنا.
ومن يومها، بقيت مؤمن إن الحب الحقيقي مش إنك تختبر الشخص اللي معاك وتشوف هيعمل إيه وقت الشدة، لكن إنك تبني معاه علاقة تقدروا فيها تواجهوا الشدة سوا، من غير خوف ولا شك ولا حسابات.
بعد جوازنا بشهور، كنت فاكر إن أصعب مرحلة في حياتنا عدّت، وإننا أخيرًا بقينا نعيش في هدوء واستقرار. لكن في يوم، حصل موقف خلاني أفتكر كل حاجة اتعلمتها من سارة.
كنت راجع من الشغل، ولقيتها قاعدة على السفرة، قدامها ورق كتير وآلة حاسبة، وملامحها بتقول إنها مشغولة بحاجة كبيرة.
سألتها مالك يا سارة؟ في حاجة مضايقاكي؟
رفعت عينيها وقالت الشركة اللي بشتغل فيها عرضت عليا فرصة أفتح مشروع صغير باسمي، بس محتاج رأس مال، وأنا معنديش المبلغ الكافي.
فرحت من قلبي، وقلت لها دي فرصة عظيمة! وأنا هساعدك بكل اللي تحتاجيه.
لكنها بصتلي وقالت أنا عارفة إنك تقدر تساعدني، بس عايزة المشروع ده يكون ليا مجهود فيه، وأكون مسؤولة عن قراراته.
ابتسمت وقلت تمام، خلينا نقعد ونحسبها سوا، ونشوف إزاي نقدر نبدأ من غير ما نحط نفسنا تحت ضغط مالي.
قعدنا طول الليل نراجع الأرقام، ونحسب التكاليف، ونقسم المصاريف على مراحل. وفي النهاية، اتفقنا إنها تبدأ بمبلغ صغير من مدخراتها، وأنا أشاركها بالمبلغ اللي اتفقنا عليه، على أساس إن المشروع مسؤوليتنا المشتركة، وإن كل حاجة واضحة بينا.
وبعد شهور من التعب والمجهود، مشروع سارة بدأ ينجح، وبدأت تحقق دخل كويس من شغلها.
وفي يوم، رجعت البيت وهي فرحانة جدًا، وفي إيديها أول تقرير أرباح للمشروع.
قالتلي بص يا أحمد! دي أول مرة أحس إني حققت حاجة كبيرة كنت بحلم بيها.
حضنتها بفرحة وقلت أنا فخور بيكي يا سارة، وفخور إنك ما استسلمتيش.
وبعدين أضافت وهي بتضحك فاكر لما كنت بتشك إني بحبك علشان فلوسك؟
وشي اتغير من الإحراج، وقلت أيوه، وبتمنى لو أقدر أمحي اليوم ده من ذاكرتي.
ردت بهدوء أنا مش عايزاك تنسى، لأن اللي حصل علّمنا حاجة مهمة.
سألتها إيه هي؟
قالت إن الإنسان ممكن يكون عنده كل الإمكانيات، ومع ذلك يخسر أغلى الناس لو سمح للخوف والشك يتحكموا فيه. وممكن إنسان تاني ميكونش معاه غير القليل، لكنه يديك من قلبه أكتر مما تتخيل.
فضلت أفكر في كلامها، وعرفت إنها عندها حق.
أنا كنت غني بالفلوس، لكن كنت محتاج أتعلم إزاي أبقى غني بالثقة والوفاء والتقدير.
ومع مرور السنين، كل ما حد كان يسألني عن سر نجاح علاقتنا، كنت بحكيله عن الغلطة اللي كادت تخليني أخسر سارة، وعن الدرس اللي اتعلمته منها.
كنت بقول
متختبرش حب حد ليك بالكذب، ومتقيسش مشاعر الناس بقدرتهم على دفع الفلوس. لو عايز تعرف مين بيحبك بصدق، بص على معاملته ليك، وعلى احترامه ليك، وعلى وجوده جنبك وقت ما تحتاجه. والأهم من كل ده، خليك أنت كمان شخص يستحق الثقة.
أما سارة، ففضلت دايمًا تفكرني إن الحب مش وعد بيتقال في لحظة، لكنه مواقف صغيرة بتتكرر كل يوم.
وفي النهاية، اكتشفت إن أغلى ثروة ممكن يمتلكها الإنسان مش رصيد البنك، ولا الممتلكات، ولا النجاح.
أغلى ثروة هي إنك تلاقي إنسان بيحبك لشخصك، وتكون أنت كمان قادر تحافظ على الحب ده بالصدق والاحترام والثقة.
وبعد ما عدّت خمس سنين على جوازنا، كنت فاكر إن مفيش حاجة تاني ممكن تفاجئني من سارة، لكن اللي حصل في ذكرى جوازنا الخامسة خلاني أكتشف جانب جديد من شخصيتها.
رجعت البيت بالليل، ولقيت الأنوار مطفية، وعلى السفرة كعكة صغيرة، وجنبها صندوق متغلف بعناية.
ناديت عليها سارة، إنتِ فين؟
خرجت من الأوضة وهي مبتسمة، وقالت كل سنة وإنت طيب يا أحمد.
ضحكت وقلت هو مش المفروض أنا اللي أجيبلك هدية النهارده؟
ردت وهي بتناولني الصندوق افتح الأول، وبعدها نتكلم.
فتحت الصندوق، ولقيت جواه ألبوم صور قديم، فيه صور لينا من أول يوم اتقابلنا فيه، وصور من أيام الجامعة، وصور من فرحنا، وصور من أول مشروع ليها.
لكن في آخر الألبوم، لقيت ظرف صغير مكتوب عليه لأحمد، لما يكون مستعد يعرف الحقيقة كاملة.
بصيتلها باستغراب وقلت إيه الحكاية دي؟
قعدت جنبي وقالت فاكر الأيام الخمسة اللي اختفيت فيهم لما قلتلي إنك محتاج فلوس العلاج؟
قلبي اتقبض، وقلت طبعًا فاكر. ده أكتر موقف ندمت عليه في حياتي.
هزّت رأسها وقالت في الأيام دي، أنا مكنتش بس بدور على فلوس. أنا كمان كنت بحاول أفهم نفسي. كنت بسأل نفسي هل أنا فعلًا مستعدة أكمل مع شخص ممكن يشك فيا بالشكل ده؟
سكتت شوية، وبعدين كملت
ولما رجعتلك، كنت مجهزة نفسي إني أواجهك بالحقيقة، حتى لو ده معناه إن علاقتنا تنتهي. لكن لما اعترفتلي إنك كذبت، فهمت إنك كنت محتاج تتعلم درس صعب، وإن أنا كمان محتاجة أحط حدود
واضحة علشان أحافظ على نفسي.
بصيتلها وقلت أنا مكنتش أعرف إنك فكرتي في كل ده.
ابتسمت وقالت لأنك وقتها كنت مركز في خوفك من إن الناس تستغلك، ومخدتش بالك إنك ممكن تخسر شخص بيحبك بسبب الخوف ده.
فتحت الظرف، ولقيت رسالة كتبتها لنفسها في اليوم الخامس، قبل ما ترجعلي.
كان مكتوب فيها
لو أحمد اختار الصراحة واعترف بغلطته، هفكر إذا كنت أقدر أبدأ معاه من جديد. لكن لو فضّل يصدق شكوكه أكتر من الحقيقة، همشي وأنا عارفة إني عملت اللي أقدر عليه.
فضلت باصص للرسالة، وعيني اتمَلَت بالدموع.
قلت لها يعني إنتِ كنتِ فعلًا ممكن تمشي ومترجعيش؟
ردت بهدوء أيوه يا أحمد. الحب مش معناه إني أقبل أي حاجة لمجرد إني بحبك. أنا اخترت أدي علاقتنا فرصة تانية، لكن كان لازم يكون فيه تغيير حقيقي.
مسكت إيديها وقلت أنا محظوظ إنك اديتيني الفرصة دي.
ابتسمت وقالت وأنا محظوظة إنك اتعلمت منها.
في اللحظة دي، فهمت إن سارة مكنتش مجرد حبيبتي اللي وقفت جنبي وقت الشدة، لكنها كانت إنسانة عندها كرامة وطموح وحدود، وبتعرف تحب من غير ما تتخلى عن نفسها.
ومن يومها، بقيت كل ما أواجه موقف صعب، أفتكر الرسالة دي.
لأن الحب الحقيقي مش إننا نتمسك ببعض مهما حصل، لكن إننا نختار بعض كل يوم، ونحافظ على الثقة اللي بتخلينا نستحق وجود بعض في حياتنا.
بعد الكلام ده، افتكرت إن حكايتنا خلصت، لكن سارة كان عندها مفاجأة تانية مخبياها عني.
بعد أسبوع تقريبًا، رجعت من الشغل ولقيتها قاعدة في الصالة، وقدامها ملف كبير.
أول ما شافتني، قالت أحمد، أنا محتاجة أتكلم معاك في قرار أخدته.
قلقت وسألتها خير يا سارة؟
فتحت الملف وناولتهولي، وقالت أنا قررت أوسع مشروعي، وأفتح فرع جديد، لكن المرة دي عايزة أعمل حاجة مختلفة.
بصيت في الأوراق، ولقيت إنها حاطة خطة لمشروع جديد هدفه تدريب البنات اللي ظروفهم المادية صعبة على شغل يساعدهم يعتمدوا على نفسهم.
رفعت عيني ليها وقلت بإعجاب إنتِ ناوية تساعدي كل البنات دول؟
ردت أنا عارفة إحساس إن الواحد يبقى عنده حلم، لكن الظروف تقف قدامه. نفسي أدي البنات فرصة يتعلموا ويشتغلوا ويبنوا مستقبلهم بنفسهم.
كنت فخور بيها بشكل مش قادر أوصفه.
قلت لها أنا هدعم المشروع بكل اللي أقدر عليه.
ابتسمت وقالت هحتاج دعمك، بس عايزاك تساعدني في التخطيط والإدارة، مش بالفلوس بس.
وافقت فورًا، وبدأنا نشتغل سوا على المشروع.
وبعد شهور من المجهود، افتتحنا المكان الجديد، وجت بنات كتير علشان تتعلم وتبدأ طريقها في الشغل.
وفي يوم الافتتاح، وقفت سارة قدام الحضور، وقالت كلمة قصيرة أثرت في كل الموجودين
أنا مؤمنة إن الظروف المادية ممكن تأخر الإنسان، لكنها مش لازم تحدد مستقبله. كل بنت هنا تستحق فرصة حقيقية، وفرصة تثبت بيها لنفسها قبل أي حد إنها قادرة تنجح.
الناس صفقت بحرارة، وأنا كنت واقف في آخر القاعة، ببصلها بفخر.
بعد الحفل، قربت منها وقلت عارفة يا سارة؟ أنا كنت فاكر زمان إن الفلوس هي اللي هتخليني أعرف إذا كان حد بيحبني بصدق، لكن إنتِ علمتيني إن الفلوس مش مقياس للمشاعر.
ضحكت وقالت المهم إنك فهمت.
وبعدها مسكت إيدي وأضافت بس عندي طلب صغير.
قلت اطلبي اللي إنتِ عايزاه.
قالت وهي بتضحك لو شكيت في حاجة بعد كده، اسألني الأول، بدل ما تعمل اختبار جديد!
ضحكت من قلبي وقلت وعد، مفيش اختبارات تاني أبدًا.
وفي طريق رجوعنا للبيت، فضلت أفكر في كل اللي حصل من أول يوم قررت فيه أختبر حبها، لحد ما بقينا بنساعد ناس تانية تبدأ حياتها.
اكتشفت إن أكبر غلطة عملتها مكنتش إني شكيت في سارة بس، لكن إني اعتبرت إن الحب حاجة لازم الشخص التاني يثبتها ليّ، من غير ما أفكر أنا بقدم له إيه في المقابل.
ومن وقتها، بقيت أؤمن إن العلاقة الناجحة مش بتتبني على إن طرف يضحي بكل حاجة والتاني يفضل يختبره، لكنها بتتبني على شراكة، فيها كل

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *