اختبرت حب
اختبرت حب حبيبتي الفقيرة، وادّعيت إني بموت ومش معايا فلوس العلاج لكنها بعتتلي رسالة قالت فيها أنا مسافرة لمدة خمسة أيام، متتصلش بيا. لكن لما رجعت، عملت حاجة خلتني أعيط زي الطفل!
أنا اسمي أحمد، وحبيبتي اسمها سارة، وكنا جايين من عالمين مختلفين تمامًا.
أنا اتربيت في عيلة غنية، وعمري ما شغلت بالي بالفلوس. أهلي كانوا أغنياء، وكان عندي شغل ناجح، وأي حاجة كانت بتبوظ كنت بشتري غيرها من غير حتى ما أبص على تمنها.
أما سارة، فكانت لسه بتدرس في الجامعة، وبتعتمد على نفسها في كل مصاريفها.
كانت بتشتغل بالليل وفي الإجازات، وبتسوق عربية قديمة كل شوية تحتاج تصليح، وبتشتري الكتب المستعملة، وبتحسب كل جنيه من مرتبها علشان تقدر تدفع مصاريف الجامعة والإيجار والأكل.
وفي أسابيع كتير، كانت بتعيش على الإندومي علشان توفر فلوس مصاريف دراستها وما تتأخرش في دفعها.
لكن رغم إن علاقتنا استمرت قرابة سنتين، عمرها ما طلبت مني فلوس ولو لمرة واحدة.
حتى لما كنت بعرض عليها أساعدها في مصاريف الجامعة، كانت بترفض وتقول
أنا محتاجة أعرف إني أقدر أعمل ده بنفسي.
كان المفروض أحترم رغبتها وأقدّر إصرارها على الاعتماد على نفسها، لكن بدل ما أعمل كده، سمحت لكلام الناس يدخل الشك في قلبي.
أصحابي كانوا دايمًا بيحذروني، ويقولولي إن البنت اللي ظروفها المادية صعبة ممكن يكون عندها أسباب كتير تخليها تتمسك بواحد غني زيي.
حتى أهلي بدأوا يشككوا في نواياها.
أمي قالتلي في مرة
خلي بالك يا أحمد، في ناس بتعرف تمثل الحب كويس جدًا، لحد ما توصل للي هي عايزاه.
أما أبويا، فكان كلامه أكثر صراحة، وقاللي
هي عارفة كويس عيلتنا عندها إيه، وعارفة إنك غني. إوعى تسمح لحد يستغلك.
وكل ما كنت بسمع الكلام ده، الشك كان بيزيد جوايا.
وبدأت أسأل نفسي سؤالًا مكنتش أتخيل إني أسأله في يوم من الأيام
هل سارة بتحبني أنا فعلًا، ولا بتحب فلوسي؟
وبدل ما أواجه مخاوفي وأتكلم معاها بصراحة، قررت أعمل اختبار غبي لحبها.
اتصلت بيها، وقلتلها إني اكتشفت إني مصاب بمرض خطير، وإن الدكاترة قالوا إني محتاج علاج مكلف جدًا.
وبعدها ادّعيت إن تكاليف العلاج أكبر من قدرتي المادية، وإن حتى أهلي الأغنياء مش هيقدروا يساعدوني المرة دي.
أول ما سمعت كلامي، وشها شحب، وسألتني بقلق شديد
محتاج كام يا أحمد؟
قلتلها مبلغ ضخم، مبلغ كنت متأكد إنها مستحيل تقدر توفره.
لكن المفاجأة إنها ما استسلمتش.
خلال اليومين اللي بعدهم، فضلت تتصل بيا وتسألني عن الدكاترة، وعن إمكانية الحصول على قرض، وعن تقسيط تكاليف العلاج، وعن أي طريقة ممكن تساعدني بيها.
كانت بتحاول تلاقي حل من كل اتجاه، وأنا كنت مستني أشوف هتعمل إيه.
لحد ما في يوم، وصلتني منها رسالة قصيرة.
فتحت الموبايل وقرأت
أنا مسافرة لمدة خمسة أيام. متتصلش بيا.
اتصدمت من الرسالة، وحاولت أتصل بيها فورًا، لكنها ما ردتش.
كررت الاتصال مرة ورا التانية، من غير أي نتيجة.
وعدّى اليوم الأول، وبعده التاني والتالت والرابع، من غير ما أسمع صوتها أو أعرف هي فين.
وخلال الأيام دي، بدأت أقتنع إن أصحابي وأهلي كانوا عندهم حق.
قلت لنفسي إن سارة أول ما عرفت إني بقيت محتاج للمساعدة، قررت تبعد عني وتختفي من حياتي.
واختفاؤها المفاجئ أكد كل الشكوك اللي كانت بتدور في دماغي.
لكن في مساء اليوم الخامس، وأنا قاعد لوحدي، سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة.
رفعت رأسي بسرعة، وبصيت ناحية الباب.
وفجأة، لقيت سارة داخلة.
كانت باين عليها علامات الإرهاق الشديد، ووشها مرهق، وخطواتها بطيئة.
قمت من مكاني فورًا، وقربت منها وأنا بسألها بقلق
إنتِ كنتِ فين يا سارة؟!
لكنها ما ردتش.
بدل ما تتكلم، حطّت حاجة على الترابيزة اللي قدامي.
فضلت باصص للحاجة اللي حطتها، وأنا مش فاهم إيه اللي بيحصل.
وبعد ثوانٍ قليلة، عيني اتمَلَت بالدموع.
بصيت لسارة، وبعدين رجعت بصيت للي قدامي، ومقدرتش أتمالك نفسي.
صرخت بصوت متقطع من شدة التأثر
سارة إنتِ عملتي إيه؟!
بصيت على الترابيزة، ولقيت قدامي ظرف كبير، وجنبه ورق كتير وإيصالات تحويلات مالية.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف، ولما شفت اللي جواه، حسيت إن قلبي هيقف من الصدمة.
كانت فلوس!
فلوس كتير، ومعاها ورقة مكتوب فيها بخط إيد سارة
يا أحمد، أنا معرفش إذا كنت هقدر أوفر المبلغ كله ولا لأ، بس مش هقدر أقف أتفرج عليك وإنت محتاج مساعدة وأنا أقدر أحاول أساعدك. الفلوس دي حصيلة كل اللي قدرت أجمعه، ودي مجرد البداية. لو محتاج أكتر، هفضل أدور على حل لحد ما نلاقيه.
رفعت عيني وبصيتلها، ودموعي بدأت تنزل من غير ما أقدر أوقفها.
سارة، إنتِ جبتي الفلوس دي منين؟!
قعدت على الكرسي قدامي، وأخدت نفس طويل، وبعدين قالت بصوت مرهق
في الأيام اللي فاتت، حاولت أتصرف بكل الطرق اللي أعرفها. سألت عن شغل إضافي، واشتغلت ساعات أطول، وبعت شوية حاجات كنت محتفظة بيها من زمان، وكلمت ناس أعرفهم يمكن يقدروا يساعدوني. كنت خايفة الوقت يعدي وإنت محتاج العلاج.
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
البنت اللي كنت شاكك إنها بتحب فلوسي، كانت مستعدة تتعب وتتنازل عن حاجات تخصها علشان تساعدني، من غير ما تطلب مني أي مقابل.
لكن اللي وجعني أكتر، إنها مدت إيدها وطلعت ورقة تانية من شنطتها، وحطتها قدامي.
قالتلي
ودي كمان.
مسكت الورقة، ولقيتها إيصال بمبلغ كانت مدخراه لمصاريف الجامعة.
بصيتلها بعدم تصديق وقلت
إنتِ كمان استخدمتي فلوس دراستك؟! طب ومستقبلك يا سارة؟ هتعملي إيه في مصاريف الجامعة؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، رغم التعب اللي كان واضح على وشها.
هتصرف يا أحمد. المهم دلوقتي إنك تلاقي حل لمشكلتك.
في اللحظة دي، مقدرتش أبص في عينيها.
نزلت رأسي، وغطيت وشي بإيديا، وبدأت أعيط.
كنت عارف الحقيقة اللي لازم أعترف بيها لنفسي أنا اللي ظلمت سارة، وأنا اللي خليت شكوك الناس أهم من ثقتي في الإنسانة اللي كانت بتحبني بصدق.
مديت إيدي ناحيتها، لكن قبل ما أتكلم، سألتني سؤال خلاني أحس بالخجل من نفسي أكتر.
أحمد، هو الدكتور قالك إنك محتاج تبدأ العلاج إمتى؟ لازم نتحرك بسرعة.
ساعتها حسيت إن الكذبة اللي اخترعتها بقت أكبر من قدرتي على الاحتمال.
بصيتلها، وقلت بصوت مبحوح
سارة لازم أقولك حاجة.
رفعت عينيها ليا، وملامحها اتغيرت من القلق للترقب.
أخدت نفس عميق، واعترفت بالحقيقة اللي كنت مخبيها عنها.
أنا مش مريض يا سارة. أنا كذبت عليكي.
ساد الصمت في الشقة.
سارة فضلت باصة ليّ، كأنها مش مستوعبة اللي سمعته.
وبعد لحظات، سألتني بصوت هادي لكنه مليان وجع
يعني إنت مكنتش مريض من الأساس؟
هزيت رأسي وأنا مش قادر أرفع عيني من الأرض.
أيوه. أنا كنت عايز أعرف إذا كنتِ بتحبيني فعلًا، ولا علشان أنا غني.
سارة قامت من مكانها ببطء، ولمّت الورق من على الترابيزة، وبعدين بصتلي وقالت
وإنت بعد سنتين مع بعض، لسه مش عارف أنا بحبك ليه؟
السؤال ده وجعني أكتر من أي كلام ممكن تقوله.
حاولت أتكلم، لكن مفيش كلمة واحدة قدرت تطلع من لساني.
سارة شالت شنطتها، واتجهت ناحية الباب.
قمت بسرعة وقلت
استني يا سارة، أرجوكي. أنا عارف إني غلطت، بس اديني فرصة أشرحلك.
وقفت مكانها، من غير ما تلتفت ناحيتي، وقالت جملة واحدة خلتني أدرك إن اختباري الغبي ممكن يكلّفني أغلى إنسانة في حياتي…
يا أحمد، المشكلة مش إنك شكيت في حبي المشكلة إنك كنت مستعد تخليني أخسر راحتي ومستقبلي علشان