تخلي عنه
الورشة صوت صفيره وهو بيفكك القطع ويصلحها.
يوم الجمعة جه جواب مسجل باسمه. كان جاي من مكتب محاماة.
قراه مرتين، وبعدين حط الورق في شنطته وفضل باصص من الشباك لمدة طويلة.
أخبار مش حلوة؟ سألت.
أخبار كنت بستناها من 31 سنة.
رفض يشرح أكتر.
في نفس اليوم العصر، تليفوني رن.
كانت ميرفت.
إحسان، هو بابا جاله جواب من محامي؟
استغربت إنها مسألتش عن صحته أساساً.
أيوه.. تحبي كلميه؟
اسمعيني كويس أوي.. اوعي تخليه يمضي على أي حاجة من غير ما تبلغينا!
أنتِ بتقولي إيه؟
صوتها اتغير ونبرتها اټرعبت.
أنتِ مش فاهمة اللي وراء الظرف ده.. رفعت جاي في السكة.. ولما يعرف إن بابا عندك، هيتجنن ويتوقع الأسوأ!
المكالمة خلصت.
ولما رفعت عيني، لقيت عم توفيق واقف قدام الباب ووشه أصفر ومخطۏف.
عرفوا خلاص قالها بصوت واطي ومبحوح.. يبقى التلاتة جايين.
ليه؟ إيه اللي جوه الجواب ده؟
ضغط على الظرف بقوة على صدره.
الإجابة على حاجة عيالي مستنيينها من سنين.. وخاېف، لما تعرفي هي تسوى كام، نظرتك ليا أنتِ كمان تتغير.
الجزء الثاني
مش هيتغير حاجة رديت عليه. أنت وصلت هنا من غير أي شيلة غير الشنطة دي.. ودي الحاجة الوحيدة اللي محتاجة أعرفها.
عم توفيق قعد وهو مهدود، وحكالي أخيراً عن قطعة أرض كانت ملك لعيلته قريب من منطقة إيتاي البارود.
في سنة 1995، الحكومة نزعت ملكية الأراضي دي عشان مشروع مائي عام. التعويض اللي اتعرض وقتها كان قليل جداً مقارنة بالقيمة اللي أقرها الخبراء. أبوه بدأ يرفع قضية وماټ من غير ما يشوف نهايتها.
عم توفيق ورث الأرض قانوني وفضل مكمل في الإجراءات دي لعقود، وكان بيدفع للمحامين من مكسبه في تصليح الآلات.
عياله كانوا عارفين القصة، وطوال السنين دي كانوا بيسخروا من الملف ده اللي كانوا بيسموه هوسه.
دلوقتي، وبعد حكم لصالحهم وشهور من المفاوضات حول الدفع، وصل التأكيد النهائي.
هما 4200000 جنيه يا إحسان.
فضلت ساكتة ومندهشة مقدرش أنطق.
هو وطى راسه.
دلوقتي فهمتِ ليه جايين.
فهمت ليه سألوا عن المحامي قبل ما يسألوا عن صحتك.
مرجعناش اتكلمنا تاني في موضوع الفلوس الليلة دي.
تاني يوم حصل حاجة محدش فينا كان متوقعها.
مدام ماتيلد رويز، عميلة بعتها الأستاذة اللي كنت بصلح لها اليونيفورم، جات ومعاها بنتها سلمى. الخياطة بتاعتها اعتذرت عن فستان الفرح قبل الفرح ب 21 يوم.
عرضوا عليا 38000 جنيه عشان أفصله وأخلصه في المعاد.
المبلغ كان أكتر بكتير من اللي بكنت أجمعه في شهور، بس المسؤولية كانت ضخمة جداً.
راجعت القماش، وحسبت الخامات وساعات الشغل. واتفقنا مكتوب على عربون 12000 جنيه والباقي عند الاستلام.
عم توفيق راقب الاتفاق بصمت.
ولما مشيوا، سألني
مش خاېفة؟
خاېفة جداً.. بس بخاف أكتر من إني أفضل قاعدة بستنى حد ييجي ينقذني.
اشتغلت من الفجر لحد بعد نص الليل. عم توفيق كان بيجهز لي القهوة، ويرتب الباترونات، وبيفكرني إن لازم أكل.
في يوم العصر نادى لي على الجنينة.
ماكينة أمي كانت اتصلحت ورجعت جديدة تماماً.
اقعدي يا بنتي.
ضغطت على الدواسة. الطارة بدأت تلف، والإبرة اخترقت شريط قطن بغرز مثالية ودقيقة.
كان نفس الصوت اللي صاحب طفولتي كلها.
عيطت ڠصب عني.
مامكتش مكنة عادية، مامتك كانت بتعرف تعمل ماكينات ممتازة قال.
مامي كانت بتعرف تخلي البيت يبدو وكأنه وطن حقيقي.
حط إيده على كتفي بحنان.
كان فاضل يومين على تسليم الفستان لما الماكينة الكهربا عملت شرارة ووقفت تماماً.
الفني مكنش يقدر ييجي قبل الأسبوع اللي بعده.
حسيت إن الدنيا پتنهار فوق دماغي.
مش هلحق أخلص يا عم توفيق.
شاور على ماكينة الدواسة.
لسه عندنا دي.
القماش ده رقيق وحساس قوي.
خلاص، نعمل تجارب لحد ما نظبط الشد والتوتر الصح للخيط.
قعدنا تقريبا ساعة نظبطها على حتت قماش صان ساطان فضلات.