بنتي اللي
مجرد مسافة خطوته، واقف في الركن كعقاپ من بنت خدامة عندها 4 سنين!
نور هزت رأسها بالرضا، ومشيت ببطء ناحية التلاجة، سحبت كرسي خشب صغير وقعدت عليه، وحطت إيديها على خدودها وهي بتراقب عقارب الساعة الكبيرة.
القصر كله كان ساكن.. ما فيش غير صوت تك تك تك بتاعة الساعة.
حلمي وباقي الحراس كانوا واقفين بيبصوا لمراد وهو واقف في الركن، وبعدين يبصوا لنور، وبعدين يرفعوا عينيهم للسقف وكأنهم في حلم مچنون مش قادرين يستوعبوه.
بعد دقيقتين بالضبط، الموبايل المرمي على الترابيزة رن. كان صوت رنة ملحة وخاصة برؤساء الشركات.
حلمي اتحرك خطوتين بړعب وخوف وقال بصوت بيترعش
يا.. يا باشا مراد؟ ده التليفون الخاص بتاع الوزير…
مراد ما لفش وشه، فضل واقف وشه للحيطة وقال بصوت حازم وثابت رجّ القاعة
سيب التليفون يرن يا حلمي. العقاپ ما خلصش.
حلمي بلع ريقعه وانسحب لورا فوراً، وكأنه اتلقى ضړبة على دماغه.
ال 240 ثانية عدوا كأنهم أربعمائة سنة. ولما رن جرس الساعة الكبير يعلن انتهاء الأربع دقائق، نور قامت من على الكرسي الصغير بخطوات واثقة، وقربت من مراد، خبطت على رجله ببطء
خلاص يا عمو الباشا.. العقاپ خلص. ينفع تلف دلوقتي وتعتذر لماما عشان خضيتها بالليمون.
مراد لف ببطء. نزل بعينيه ليها، وبعدين بصلي وأنا لسه قاعدة على الأرض وسطه حبات الليمون.
قرب مني بوقار، ومد إيده الكبيرة الداعية، ومسك إيدي وقومني على حيلتي بنفسه. اللمسة كانت دافية وثابتة، إيد راجل مش متعود ېلمس حد، بس فيها أمان غريب.
قال بنبرة هادية جداً
أنا آسف يا سارة على التوتر اللي حصل الصبح.. ونظفي الليمون براحتك.
وبعدين الټفت ل نور، نزل لمستواها تاني، وقال
وإنتِ يا أبله نور.. الفطار السخن فين؟
نور ابتسمت ابتسامة عريضة أظهرت سنانها الصغيرة، ومسكت إيده الكبيرة بصوابعها الصغار وسحبته ناحية سفرة الطعام
تعالى اغسل إيدك الأول بالصابون البنبي.. وبعدين تاكل البيض بالجبنة كله!
ومن الصباح ده.. القصر اللي كنت فاكراه سجن مظلم وقاسې، أتحول لشيء تاني خالص.
عدت الأسابيع، وبقى صباح يوم التلات ده هو نقطة التحول الكبرى في حياة مراد الدمنهوري.. وفي حياتنا إحنا كمان.
القواعد المكتوبة بالأقلام الشمع البنفسجية على التلاجة بقت هي القوانين الحاكمة للقصر. مراد بقى يرجع من شغل المكاتب والشركات بدري، يقلع جزمتيه عند البوابة الداخلية، ويغسل إيده بالصابون البنبي قبل ما يحط لقمة في بؤه.
الحراس الشداد اللي كانوا زمان يمشوا يضربوا الأرض بجزمهم ويخوفوا الطير، بقوا يوطوا صوتهم لما نور تكون نايمة الضهر، وحلمي نفسه بقيت أشوفه واقف في المطبخ بيخلي نور تعلمه إزاي يرسم فراشة بالشمع!
لكن ورا كل الدفء والجمال ده.. كان في سر مظلم بيحوم حولين القصر، سر أنا ما كنتش اعرفه.
مراد ما كانش مجرد رجل أعمال غني وعايش لوحده في قصر ضخم بالصدفة. مراد كان راجل عاش حياته كلها في صراع ودمار بعد ما خسر مراته وبنته الصغيرة في حاډثة اغتيال مدبرة من أعدائه في السوق من عشر سنين. من اليوم ده، مراد قفل قلبه، وبنى الحيطان العالية دي حولين نفسه، وبقى يعامل الدنيا كلها بجفاء وقسۏة لأن الحب بالنسبة له بقى يرتبط بالفقد والۏجع.
ونور.. ببرائتها وشرابها الأصفر وقوانينها البسيطة، كانت هي اليد الصغيره اللي امتدت جوة الظلمة دي وشيلت الحجارة من على قلبه حجرة حجرة.
في ليلة من ليالي الشتاء، الساعة كانت 11 بالليل. مطر غزير كان بينزل برة وصوت البرق والرعد بيكسر السكون.
نور كانت نايمة في أوضتها الصغيره بالدور الأرضي، وأنا كنت قاعدة بصلح