بعد
بس مؤخراً لاحظت إن ياسين حاله اتشقلب وبقى غامض وتصرفاته غريبة، أول ما يرجع من المدرسة يدخل أوضته ويقفل الباب بالمفتاح، ولما أروح أخبط عليه وأسأله ماله يزعق ويقولي معلش يا خالتو مضغوط من الدروس، كنت عايزة أفهم ماله بس الموضوع استمر أيام وبقى مقلق جداً. وفي الآخر مقدرتش أصبر، وأول ما رجع من المدرسة وقفته عند الباب ومسكت إيده وقولتله لازم تحكيلي مخبي عني إيه. فجأة وشه اتخطف وبقى أصفر زي الليمونة وصوته بقى يترعش وقالي أنا خلاص مستعد أقولك الحقيقة، ركبي خبطت في بعضها وقولتله بتهتهة حقيقة إيه يا ياسين؟ وقعت قلبي!، راح واخد خطوة ناحيتي وعينه غرقانة دموع وهمس في ودني الحقيقة اللي حصلت ليلة الحادثة من 12 سنة.. أنا عارف أمي
فين دلوقتي.
الدموع اللي كانت في عينه جمدت فجأة، وبقت نظرته حادة زي الموس، لدرجة إني رجعت خطوة لورا من الخوف. إنت بتقول إيه يا ياسين؟ أمك ماتت ودفناها بإيدنا، والوجع ده عشنا فيه سنين!.. ضغط على إيدي بقوة خلتني أتألم، وهمس وصوته طالع بوشيش مرعب لا يا خالتو، إحنا دفنا كفن فاضي.. أنتي نسيتی إن محمود خدني معاه في العربية ليلتها؟.
قلبي سقط في رجلي، الذاكرة بدأت تتجمع زي فلاشات سريعة وموجعة؛ ليلتها الكل كان فاكر إن ياسين نايم في أوضته، مفيش حد دور عليه في وسط زحمة الصدمة والشرطة. كنت مستخبي ورا الكرسي.. بابا مكنش بيخلص ورق، بابا كان بيهرب بيها!.. كمل كلامه وهو بيتدحرج على الأرض ومنهار العربية متقلبتش لوحدها، فيه ناس وقفتنا، وبابا زقني برا العربية في الضلمة وقالي اجري ومتبصش وراك.. وشفتهم وهما بيشيلوا ماما وهي لسه بتتنفس وبيحطوها في عربية تانية.. بابا ممتش يا خالتو، بابا هو اللي باعها، وهو اللي باعتلي الرسالة دي النهاردة.
طلع من جيبه ورقة مطبقة ومهرية، فتحتها بإيد بتترعش، كان مكتوب فيها بخط أنا عارفاه كويس، خط محمود اللي مفارقتش عيني سنين ياسين، كفاية 12 سنة حماية.. الوقت جه عشان ترجع الأمانة لصحابها، افتح السرداب اللي تحت السرير، أمك مستنية اللي يخلصها. بصيت لياسين برعب، والسؤال كان بيصرخ جوايا سرداب إيه؟ إحنا عايشين في البيت ده بقالنا 12 سنة ومشفناش حاجة!.. فجأة سمعنا صوت خبطة مكتومة جاية من تحت الأرض، من أوضة ياسين اللي كانت مقفولة بالمفتاح، خبطة منتظمة.. كأن فيه حد بيستنجد بقاله سنين.