جوز أمي كان بيعذبني أنا وأختي التوأم كل يوم، لمجرد إنه كان بيستمتع وهو شايف الخوف في عينينا. وفي ليلة من الليالي، ضربنا لحد ما فقدنا الوعي، وبعدها شالنا وجرّنا على طوارئ المستشفى، بينما أمي كانت واقفة بكل برود وبتقول للدكتور البنتين وقعوا من على السلم. لكن الدكتور أول ما بص على الكدمات اللي كانت مالية جسمينا، وبعدين بص لأختي اللي كانت في السرير اللي جنبي، اكتشف حاجة خلت ملامحه تتغير تمامًا. بص للممرضة، وبعدها قفل باب غرفة الكشف بالمفتاح، ولف ناحية فرد الأمن وقال بصوت حاسم اتصل بالشرطة... حالًا. آخر حاجة سمعتها قبل ما الدنيا تسود قدام عيني كانت صوت أختي التوأم ملك وهي بتصرخ باسمي. وآخر حاجة شفتها كانت ابتسامة جوز أمي سامح، كأنه كان مستمتع بخوفها. سامح عمره ما كان بيضربنا عشان فقد أعصابه... بالعكس، السيطرة كانت هي السبب الحقيقي اللي بيخليه يعمل كده. كان بيختار الوقت بنفسه. يقفل شبابيك الشقة والستائر. يتأكد إن باب الشقة مقفول كويس. ويخلّي أمي تعلي صوت التلفزيون عشان محدش يسمع حاجة. وبعدين يجبرني أنا وملك نقف جنب بعض، ويقعد يقرر مين فينا هيبدأ بيها الأول. كنا وقتها عندنا سبعتاشر سنة، وتوأم لدرجة إن المدرسين في المدرسة كانوا ساعات يلخبطوا بينا. لكن سامح عمره ما غلط بينا ولو مرة. ملك كانت بتعيط وتترجاه يسيبنا، وأنا كنت غالبًا بسكت. والسكوت ده كان أكتر حاجة بتستفزه. في الليلة دي قرب مني، وبصلي في عيني وقال بسخرية لسه عاملة نفسك جامدة يا مريم؟ كنت حاسة بطعم الدم في بوقي، لكني بصيت له وقلت بهدوء لأ... أنا بس بفتكر. لثانية واحدة بس، ابتسامته اختفت. لأنه ما كانش يعرف حاجة. ما كانش يعرف إني قبلها بثلاث شهور لقيت موبايل قديم جدًا جوه كرتونة في دولاب الصالة، وسط حاجات بابا الله يرحمه. الموبايل كان شاشته مكسورة، وشكله قديم، لكن الميكروفون بتاعه كان لسه شغال. ومن يومها، بقيت كل ليلة أخبيه تحت لوح خشب مفكوك في الأرض، قريب من مكان التهوية. وكنت بسيبه يسجل كل حاجة. انجي_الخطيب الأصوات. الخناقات. التهديدات. وضرب سامح لينا. وكل التسجيلات كانت بتترفع تلقائيًا على حساب إلكتروني سري كان بابا عامله قبل وفاته. بابا، حسن، كان محاسب قانوني شاطر جدًا، وكان شغله بيخليه يعرف إزاي يحافظ على فلوسه وحقوقنا. وقبل ما يموت، كان حاطط جزء كبير من فلوسه، ومعاه أسهم في الشركة اللي كان شغال فيها، في حساب أمانة باسمنا أنا وملك. الفلوس دي كان المفروض تبقى من حقنا بالكامل أول ما نتم التمنتاشر سنة. سامح كان فاكر إن أمي هي اللي مسيطرة على الفلوس دي. وأمي عمرها ما صححت له المعلومة دي. بعد وفاة بابا، خالي طارق حذرنا وقال لنا إن الفلوس ساعات بتجيب ناس خطرين حواليها، وإن لازم نخلي بالنا من نفسنا. لكن خالي كان شغال بره مصر وقتها، وسافر لفترة طويلة، ومع الوقت أمي بدأت تمنعنا حتى من إننا نكلمه. كل مرة كان خالي يحاول يتصل، كانت أمي تقول لنا إن مفيش مكالمات. وسامح بدأ يقول للجيران إننا بنات مدلعة، ومضطربين، ومش بنقدر النعمة. وبالتدريج، البيت اللي كنا فاكرينه بيتنا اتحول لسجن. أبواب بتتقفل بالمفتاح. تليفونات بتتسحب مننا. خوف مستمر. وكلام متظبط بعناية يخلي أي حد بره البيت يصدق إن المشكلة فينا إحنا. لكن في الليلة دي، سامح غلط. غلط غلطة عمره. ملك حاولت تحميني بجسمها لما قرب مني، فضربها جامد وخبطها في الحيطة. من غير ما أفكر، اندفعت عليه. لكن كل حاجة حصلت في ثانية. ضربة قوية جت في جنب راسي، وفجأة الأرض بدأت تلف بيا. آخر حاجة افتكرتها كانت صرخة ملك. وبعدها... فقدت الوعي. لما فتحت عيني، لقيت نور أبيض قوي فوق وشي. ريحة المطهرات مالية المكان. وأصوات أجهزة المستشفى حواليا. كنت في طوارئ مستشفى حكومي كبير. ولما لفيت وشي ناحية السرير اللي جنبي، لقيت ملك مغمى عليها ولسه ما فتحتش عينيها. أما سامح، فكان واقف جنب الستارة بكل هدوء، وكأنه مفيش أي حاجة حصلت. كان حتى بيغسل إيديه. وفي الناحية التانية، أمي كانت ماسكة شنطتها وبتتكلم مع دكتور الطوارئ بهدوء غريب، وقالت له البنتين كانوا نازلين السلم واتزحلقوا... هما بس كانوا بيتخانقوا ووقعوا على بعض. الدكتور شريف ما ردش عليها فورًا. قرب مني، وبص على دراعي. كان فيه كدمات بأشكال مختلفة. وبعدين بص ناحية ملك. ورفع الغطا عن دراعها. نفس الكدمات تقريبًا. نفس الأماكن. نفس الأشكال. فضل ساكت ثواني، وبعدين بص لأمي وقال الاتنين وقعوا من نفس السلم؟ سامح دخل في الكلام بسرعة وقال يا دكتور دول مراهقين... ممكن يقولوا أي كلام. عالجهم وخلاص. الدكتور شريف بص له للحظات من غير ما يتكلم. وبعدين خرج من الغرفة. لكن قبل ما يخرج، قفل الباب من بره. سامح استغرب. راح ناحية الباب وحاول يفتحه. في اللحظة دي، الدكتور شريف كان واقف في الممر جنب فرد الأمن. وقال له بصوت واطي لكن حازم ماتخليش حد يخرج من هنا... واتصل بالشرطة فورًا. سامح سمع الكلام. ابتسم ابتسامة باردة وقال إنت مش فاهم إنت بتتهم مين يا دكتور. الدكتور بص له وقال أنا مش بتهم حد... أنا بعمل شغلي. سامح ضحك باستخفاف. لكن فجأة، صوت ضعيف جدًا جه من السرير. هو هيعرف قريب. كلهم لفوا ناحية ملك. عينيها كانت بدأت تفتح ببطء. سامح وقف مكانه. وأنا، رغم الألم، حسيت دموعي نزلت من غير ما أقدر أمنعها. لأننا أخيرًا كنا وصلنا للحظة اللي استنيناها شهور. كل التسجيلات كانت موجودة. كل حاجة سامح قالها وعملها كانت متسجلة. والحقيقة اللي كان فاكر إنه دفنها جوه بيتنا... كانت على وشك إنها تظهر قدام الناس كلها. لكن اللي محدش فينا كان متوقعه، إن لمحة نيوز أول ما الشرطة وصلت، الدكتور شريف طلب من الأمن يفتش شنطة سامح. واللي لقوه جواها كان كفيل يقلب القضية كلها رأسًا على عقب... إنتوا مش هتصدقوا اللي حصل بعد كده... انجي_الخطيب فتح فرد الأمن الشنطة بإيد ترجف، وطلع منها أكياس بلاستيك صغيرة فيها مادة بيضا، ومعاها دفتر إيصالات وأختام مزورة بأسماء بنوك، والأدهى من كده... إزايز دواء مهدئ شديد المفعول، من النوع اللي بينمسح بيه الوعي وبيسبب هلاوس ووفاة بالبطء مع الوقت. الدكتور شريف بص للمواد اللي اتكشفت وشهق بصدمة، ولف لسامح اللي ملامح الوش الباردة اللي كان متخفي وراها اتخلعت في ثانية، وحل محلها رعب جارف ورعشة في إيديه وهو بيحاول يرجع لورا ويقول بصوت متهدج دا.. دا مش بتاعي! الشنطة دي اتلخبطت.. دا ملعوب! أمي وقفت مكانها زي الصنم، وشها اتقلب أصفر وزي ما تكون اتضربت على دماغها، بصت لسامح ببلاهة وقالت بصوت طالع بالعافية سامح.. إيه الحاجات دي؟ إنت قايلي إن دي أوراق الشغل!.. إنت كنت بتديهم إيه؟ في اللحظة دي بالذات، دخل الظابط ومعه اتنين عساكر، الباب اتفتح بعنف، والدكتور شريف شاور فوراً على سامح وأمي وقال للظابط بثبات يا فندم، المتهمين دول جايين بجمجتين مقطوعين وكدمات متناغمة تثبت التعذيب الممنهج، ومش بس كده، الشنطة دي فيها مواد مخدرة وأختام مزورة وزجاجات سموم ومهدئات جدول أول بدون روشتة، والبنات حالتهن حرج جداً. سامح حاول يهجم على الباب ويجري، بس العساكر كتفوه في لحظة وكتفوا دراعاته ورا ظهره، صوت الكلبشات وهو بيتقفل كان أحلى نغمة سمعتها في حياتي، صوت معدن بيعلن نهاية كابوس استمر سنين. سامح كان بيصرخ وبيشتم وهيتقطع في إيديهم، وأمي بتبكي بهستيريا وبتحاول تتملص وتقول أنا ماليش دعوة! هو اللي كان بيمشيني! أنا أمهم والله أنا أمهم! مسكت إيد ملك بالراحة، كانت إيدها بتترعش، بس لما بصيت في عينيها لقيت لمعة انتصار، بصتلي وابتسمت وسط دموعها وقالت بصوت مجهد ومبحوح مريم.. الموبايل.. التسجيلات رفعت كل حاجة؟ هزيت رأسي وأنا بعيط وبضحك في نفس الوقت، وقلت لها كل كلمة يا ملك.. كل لحظة وجع اتسجلت.. خلاص مش هيلمسنا تاني. الظابط قرب من سريرنا، وطى شوية وبص لنا برحمة وتقدير وقال ما تخافوش يا بناتي، حقكم هيرجع بالقانون، والمستشفى دي تحت حراستنا لحد ما تطمنوا تماماً. الدكتور شريف بص للظابط وقال له يا فندم المواد اللي في الإزايز دي بتفسر حالة التبلد والضعف العام اللي البنات فيهم، كان بيسقيهم سم بطيء عشان لما يتموا ثمانية عشر سنة يخلص منهم وياخد الفلوس ويتحكم في الأملاك بالتوكيلات المزورة اللي معاهم في الشنطة. بعد ساعتين بس، تليفون الظابط رن، وكان المتحدث هو خالي طارق اللي عرف باللي حصل عن طريق نظام التنبيه الإلكتروني اللي كان مربوط بحساب بابا السري أول ما التسجيلات الأخير اترافقت على السحابة ووصلت له إشارات استغاثة. خالي كان وصل المطار في نفس الليلة بعد ما قطع طيرانه ورجع مصر جاري لما شاف التسجيلات وسمع صريخنا. دخل خالي طارق الطوارئ زي المجنون، أول ما شافنا اتروى على ركبه جنب السرير وبكى زي الأطفال، ضم روسنا لإيديه وهو بيقول سامحوني يا بناتي.. سامحوني إني سبتكم للوحوش دول.. وحقكم وحق حسن أخويا هجيبهولهم من رقبتهم بالقانون. سامح وأمي اتساقوا للنيابة بتهم التعذيب، والشروع في القتل، وحيازة مواد مخدرة وسموم، والتزوير في أوراق رسمية. وبفضل التسجيلات الصوتية اللي كانت واضحة وفيها صوت سامح وهو بيعترف إنه بيدينا المهدئات وبيضربنا عشان نوقع على التنازلات، القاضي لبس سامح حبل المشنقة بعد المحاكمة، وأمي أخدت مؤبد بتهمة التستر والمشاركة في الجريمة. خرجنا أنا وملك من المستشفى بعد أسابيع، وقفنا قدام باب البيت اللي كان سجننا، وخالي طارق جنبنا ماسك إيدينا. بصيت للسما وتنفسنا هواء نقي لأول مرة من سنين، وأنا عارفة إن بابا الله يرحمه كان بيحمينا حتى وهو تحت التراب، وإن الخوف خلاص مات، والشمس أخيراً طلعت على حياتنا من جديد. عدت السنين، وجرح جسمنا التئم، لكن جرح الروح كان محتاج وقت أطول عشان يطيب. أنا وملك تمينا التمنتاشر سنة، وخالي طارق مسك كل شؤوننا القانونية واستلمنا ورث بابا بالكامل. الفلوس اللي سامح وأمي كانوا هيموتوا ويحطوا إيديهم عليها، بقت هي السلاح اللي بنينا بيه حياتنا من جديد. أول قرار أخدناه بعد ما المحاكمة انتهت تماماً، إننا نقفل شقة الكوابيس دي ونبيعها، ونتبرع بجزء كبير من ثمنها لمؤسسة حماية الأطفال من العنف الأسري، عشان مفيش بنت ثانية تعيش اللحظات المرعبة اللي عشناها. سافرنا مع خالي بره مصر، كملنا دراستنا. ملك دخلت كلية الطب النفسي، عشان تعالج القلوب والأرواح اللي اتكسرت زينا، وأنا دخلت كلية الحقوق، عشان أكون الصوت اللي بيدافع عن أي مظلوم مش قادر يوصل صوته للناس. في يوم تخرجنا، كنا واقفين أنا وهي بالروب الأسود والقبعة، باصين لبعض ومبتسمين. ملك مسكت إيدي وقالتلي وهي بتعيط من الفرحة فكراني يا مريم لما كنت بقولك إحنا ملناش حد؟ رديت عليها وأنا بضمها بقوة كان عندنا بابا الله يرحمه اللي سابلنا طوق النجاة، وكان عندنا شجاعتنا إننا نسجل وما نتنازلش عن حقنا.. إحنا اللي حمينا بعض يا ملك. أمي حاولت تبعتلنا أكتار من جواب من جوه السجن تترجانا نزورها أو نسامحها، بس القرار كان حاسم. المسامحة مش دايماً بتكون الحل، فيه أخطاء وثمن بيلزم صاحبه يدقعه لآخر يوم في عمره. النهاردة، لما بفتكر الليلة دي ورائحة المطهرات ونور الطوارئ وصوت الظابط وهو بيقفل الكلبشات على إيد سامح، مش بحس بالخوف.. بحس بالفخر. بحس إن البنتين الصغيرين اللي كانوا بيترعشوا تحت لوح الخشب وهم بيخبوا الموبايل، قدروا ينتصروا على الشر، ويغيروا قدرهم بأيديهم. النهارده، أنا وملك فتحنا مكتبنا الخاص؛ مكتب مستشارك القانوني والدعم النفسي للضحايا. مكتوب على اليافطة العريضة اللي على الباب اسم بابا حسن. المكتب ده مش مجرد مكان شغل، ده كان الملجأ اللي اتمنينا نلاقيه وإحنا في سن السبعتاشر. في يوم، جيلنا حالة جديدة.. بنت عندها ستة عشر سنة، دخلت المكتب وهي بتبص وراها برعب، دراعاتها مليانة كدمات أشكال وألوان، ورفضت تتكلم أو ترفع عينها من الأرض. أمها كانت واقفة بره بتقول للموظفين إن البنت وقعت من على السلم. أول ما سمعت الجملة دي، جسمي قشعر. بصيت لملك اللي كانت واقفة جنبي، الشرر كان طالع من عينينا، بس المرادي مش رعب.. المرادي كانت القوة. قعدت قدام البنت، مسكت إيدها بتلقائية، ووطيت بصوتي وقلت لها ما تخافيش.. السلم بتاعكم ده إحنا عارفينه كويس، وعارفين إزاي نكسره فوق دماغ اللي زقك من عليه. البنت رفعت عينها وبصتلي بصدمة، ودموعها نزلت. ملك قربت منها وادتها منديل، وجابت جهاز تسجيل صغير حطته قدامها على الترابيزة وقالت لها بابتسامة دافية اتكلمي يا حبيبتي، احكي كل حاجة.. الصوت ده هيبصم على نهاية كابوسك من النهاردة. في اللحظة دي، حسيت إن الدايرة اتقفلت. إن كل نقطة دم نزلت منا، وكل صرخة حبسناها في سرنا، وكل ليلة نمناها خايفين تحت لوح الخشب.. كان ليها معنى. ربنا ما ضيعش وجعنا هدر، بل خلاه النور اللي بننور بيه العتمة في حياة غيرنا. سامح وأمي افتكروا إنهم كسرونا وقفلوا علينا الأبواب، وما كانوش يعرفوا إنهم باللي عملوه، خلقوا بطلتين مش بيخافوا من أي ظالم في الدنيا. البنت خادت نفس عميق، وكأنها أول مرة تتنفس من سنين، وبدأت تحكي بصوت بيترعش عن جوز أمها اللي بيضربها وبيسقها دوا بيخليها تدوخ، وأمها اللي بتتستر عليه عشان الفلوس. كل كلمة كانت بتقولها كانت بتفكرني بنفسي أنا وملك من كام سنة.. نفس الخوف، نفس العجز، ونفس القهر. بس الفرق إن البنت دي واقف قدامها حصن مش هيسمح إن التاريخ يعيد نفسه. أنا قمت فوراً فتحت الخزنة وطلعت أوراق الشكوى، ومسكت التليفون وكلمت رئيس المباحث اللي بقيت أعرفه كويس بحكم شغلي، وقلت له بثبات يا فندم، معايا حالة تعدي وتعذيب طفل ومحاولة تخدير فورية، ومحتاجين حراسة فورية للبنت ورجالة ينزلوا يقبضوا على الجاني قبل ما يهرب. في نفس الوقت، ملك كانت بتعمل للبنت إشاعات وتقارير طبية أولية في العيادة الملحقة بالمكتب، وبتكتب كل كدمة بالمليمتر عشان التقرير الطبي يكون مقفول بالضبة والمفتاح ومفيش محامي يقدر يلعب فيه. ساعة واحدة بس، وكانت عربية الشرطة قدام المكتب. الظابط نزل وأخد أقوال البنت، وفي نفس اليوم بالليل، كان جوز أمها متكلبش ومترمي في التخشيبة، وأمها بتتفتش بتهمة التستر والشراكة في الجريمة. لما البنت جاتلي تاني يوم مع خالها اللي أخيرًا عرف الحقيقة ولحقها، قربت مني وحضنتني بكل قوتها وهي بتعيط وتقول أنا كنت فاكرة إن مفيش حد هيصدقني.. أنتوا أنقذتوني من الموت. بصيت لملك ابتسمت لها وقلت للبنت اللي أنقذك هو شجاعتك إنك طلبتي المساعدة.. افتكري دايماً إن الخوف بيقوي الظالم، بس الحقيقة صوتها أعلى من أي محبس. روحت بيتي بالليل، قعدت على الكنبة وبصيت للبرنيطة بتاعت التخرج ولصورة بابا اللي متعلقة في الصالة. حسيت بروح بابا حوالينا، وكأنه بيطبطب على كتفنا ويقولنا أنا فخور بيكم. الكابوس اللي بدأ بدم وكدمات وسرير طوارئ، انتهى بأكبر رسالة أمل.. إن الظلم مهما طال ليله وتفنن في قفل الأبواب، دايماً فيه ثقب نور بيطلع منه الحق، وإحنا بقينا النور ده. مرت شهور، ومكتب حسن بقى اسم بيترعب منه أي ظالم وبيجري عليه أي مظلوم في البلد. القضايا كانت بتجيلنا من كل مكان، وكل قضية بنتكفل بيها كانت بالنسبة لي ولأختي ملك معركة شخصية بنخوضها بكل جوارحنا. في يوم من أيام الشتا، والقافلة الطبية والقانونية اللي بننظمها مجاناً كانت شغالين فيها، جالي إشعار على موبايلي. رسالة غريبة من رقم غير معروف، مكتوب فيها نصاً سامح مات في السجن النهارة الصبح بعد صراع مع المرض... وأمك حتخرج العصر بوفاق شرطي عشان حالة صحية حرجة... هي في المستشفى الحكومي اللي دخلتوها زمان. الرسالة نزلت عليا زي المية الساقعة. بصيت لملك، ووريتها الموبايل من غير ما أتكلم. ملك سكتت لحظة، ونظرة عينيها كانت مزيج غريب بين وجع قديم، وشعور بالراحة، وشفقة على نهاية نهاية أي شخص اختار الشر. قالتلي بصوت هادي تروحي يا مريم؟ قلت لها هنروح سوا.. بس المرة دي مش إحنا اللي خايفين على أسرّة الطوارئ.. المرة دي إحنا اللي واقفين على رجلينا. روشنا المستشفى نفس المستشفى الحكومي... نفس ريحة المطهرات، نفس الطرقة البيضا اللي اتجرّينا فيها وإحنا بين الحياة والموت. بس فرق الزمن والقوة كان شاسع. دخلنا الأوضة، كانت أمي نايمة على السرير، أجهزة القياس حواليها، شكلها اتغير تماماً؛ خسست، ووشها دبلان، والزمن حفر فيه تجاعيد الضعف والندم. أول ما فتحت عينيها وشافتنا واقفين بثبات وروسنا مرفوعة، دموعها نزلت بانهيار، وحاولت تمد إيدها المرتعشة ناحيتنا وهي بتهزر بصوت مكسور مريم... ملك... سامحوني... أنا أكلني الذنب كل ليلة في السجن... سامحوني قبل ما أقابل ربنا. ملك بصلت لها بهدوء وقالت المسامحة دي بينك وبين ربنا يا أمي.. إحنا جينا بس عشان نقفل الصفحة دي للأبد.. عشان نعرفك إن الخير اللي زرعه بابا فينا غلب الشر اللي سبتي سامح يعيشنا فيه. أمي غمضت عينيها وبكت بأعلى صوتها، وأنا وملك لفاينا ضهرنا وخرجنا من الأوضة بخطوات واثقة. وأنا خارجة من باب المستشفى، بصيت للسما، والمطر بيضرّب في وشنا نقي وبارد، حسيت إن آخر قيود كانت ربطانا بالماضي اتفكت تماماً. رحلة الوجع انتهت، وتاريخ القهر اتكتبت نهايته الحقيقية... وبدأت حياتنا اللي اخترناها بنفسنا، بكل حرية وقوة وأمل. خرجنا للممر، وصوت بكاها بيتلاشى ببطء ورا الباب المقفول، ومعه بتتلاشى آخر ذرة طاقة سلبية كانت مسكونة جوانا من سنين. ملك مسكت إيدي وقالتلي بثبات خلاص يا مريم.. كده الحساب اتقفل في الدنيا، والعدل الألهي أخد مجراه بالمليمتر. مشينا في شوارع القاهرة، الشوارع اللي زمان كانت بتخوفنا وكنت بحس إن كل باب مقفول فيها مخبي وراه مصيبة، النهاردة بقيت بشوفها مختلفة.. بشوف فيها الأمل، وبشوف فيها ناس كتير محتاجة اللي يقويها وياخد بإيدها. بعد سنتين، توسع مكتب حسن وبقى مؤسسة كاملة فيها أكتر من خمسين محامي وطبيب نفسي، كلهم بيشتغلوا لخدمة المستضعفين. وعملنا فرع كامل باسم دار ملك ومريم لإيواء البنات اللي بيتعرضوا للعنف الأسري، بنعلمهم، وبندرّبهم، وبنخليهم يقفوا على رجليهم ويصنعوا مستقبلهم بنفسهم، عشان مفيش بنت تضطر تسكت على الإهانة عشان معندهاش مكان تروحه. في ليلة دافية، كنا عاملين احتفالية صغيرة بمرور خمس سنين على تأسيس المؤسسة. المكان كان مليان بالبنات اللي أملهم اتجدد، وبالأسر اللي ربنا كتبلها نجاة على إيدينا. وقفت أنا وملك في البلكونة المتطلة على النيل، الهواء كان نقي، والقمر منور المياه. ملك بصتلي ورفعت كأس المية بتاعها وقالت بابتسامة صافية تفتكري بابا شايفنا دلوقتي يا مريم؟ ابتسمت من كل قلبي ودمعة فرحة محبوسة في عيني، وقولتلها شايفنا وفخور بينا جداً يا ملك.. بابا ما سابلناش بس فلوس وتسجيل، بابا سابلنا الإيمان بأن الحق عمره ما بيموت، وإن الوجع لو ما كسرناش.. بيبنينا. بصينا للنيل سوا، وأنا حاسة براحة نفسية وعميق ما حسيتش بيه من يوم ما اتولدت. الكابوس انتهى رسمياً، وحكايتنا اللي بدأت بالدموع والكدمات على سرير طوارئ، اتختمت بأعظم نجاح ونور.. وبقت قصة أمل ملهمة بتعلم أي حد مظلوم إن الليل مهما طال واستبد.. الفجر حتمي، والشمس لازم تطلع من جديد. تمت حكايات انجى الخطيب