كان جوزي

الاتنين سوا. صبري جز على سنانه، ولف ظهره من غير ما ينطق بحرف واحد، ركب عربيته وطلع وفطس عجل العربية، وضاع وسط ضباب البلدة.
أنا ما ضيعتش ثانية. مع أول النور، كنت قاعدة قدام وكيل النيابة في الجيزة. حطيت تليفوني على المكتب المعدني وشغلت التسجيل. صوت صبري ملى الأوضة الصغيرة شربت الثوم؟ أخبار أمك إيه؟ إنتي اټجننتي؟! ده فيه كلور!. المحقق سمع التسجيل مرتين في صمت تام. قلع نظارته، بص لي بنظرة فيها شفقة واحترام، وهز رأسه. مقدر ليه اتأخرتي في جيبان ده يا مدونة نعمة. دي 37 سنة جواز. بس دي الحجة اللي كنا محتاجينها.
وفي نفس اللحظة دي، تليفون المكتب رن. دي المستشفى. الحاجة زينات، حماتي، فاقت. شالوا الانبوبة من زورها وكانت طالبة تشوفني. جريت من القسم وعلى العناية المركزة على طول. على الباب كانت ليلى، اللي أول ما شافتني نزلت راسها من الكسوف عشان اتهمتني بالباطل. طلبت منها تدخل معايا. حماتي كانت صفراء، ضعيفة، ومتوصلة بسلك كتير. وبما إن الكلور دمر أحبالها الصوتية، مكنتش قادرة تتكلم. الممرضة كانت سابت لها سبورة بيضا صغيرة وقلم ماركر.
أول ما شافتنِي، الحاجة زينات مسكت القلم بإيديها المرتعشة والعظمية. كتبت ببطء كأنه المۏت. ليلى وأنا كنا بنقرا كل كلمة وهي بتتكتب ابني، كتبت الأول. مسحت. كلمني الصبح وقال لي يا أما، إياكي تشربي ده. ده بتاع مرات عمك أو خطيبتك أقصد مراتك. الهوا خرج من صدري. حماتي مسحت تاني، وبدموع بتنزل على خدودها المقطعة، كتبت اعترافها الأخير أنا جالي غل. حبيت اخطفه منك من الغيرة. سامحيني. وقعت القلم من إيدها. دي كانت أول مرة في حياتها تطلب مني السماح. اتمسكت بسريرها وعيطت، عيطت عشانها، وعشان نفسي، وعشان أمي. ليلى وقعت على ركبتها عند رجل السرير، بتشهق وبتطلب مني السماح هي كمان. وفي أوضة المستشفى دي، الكره اللي قعد سنين طويلة داب، وما بقاش فيه غير ۏجع الخريطة والندل.
نفس اليوم العصر، النيابة طلعت إذن تفتيش لبيتي في إمبابة. صبري كان هرب واختفى. خدت الخبراء لحد

الحور والحديقة ورا وشورت لهم على صندوق معدن ثقيل صبري كان قافل عليه بقفل حديد تخيل. عمر ما سابني أفتحه. كان بيقول دي أدوات خطړ، شرحت لهم. المحقق كسر القفل بقطاعة حديد. صوت كسر الحديد رن زي طلقة الړصاص. في الدرج الأول كان فيه مفاتيح ربط، بس من تحت… من تحت لقوا المرعب. كان فيه سرنجات مستعملة، بقايا سيليكون سخن وزجاجات كلور فاضية.
بس كان فيه حاجة كمان. الخبير طلع كيسة صغيرة ملخبطة ومصفرة من الزمن. أول ما فكها، نفسي اتقطع تماماً. كانت ساعة رجالي. الزجاج كان مكسور والعقارب واقفة للأبد على الساعة 1140 بالليل. المحقق قلبها وقرا الحفر اللي على المعدن لممدوح، مبروك الشغلانة الجديدة. مع حبنا، ماما. 1987.
دي كانت ساعة أخويا. الساعة اللي أمي دورت عليها پجنون الليلة اللي ممدوح اتهبط فيها على الطريق واترمى زي الكلاب في الدبش. في ثانية واحدة، تسع وتلاتين سنة من الألغاز اتربطت في عقلي زي البرق رفض صبري يسوق في الطريق ده، سكراته لوحده كل يوم عيد ميلاد أو ۏفاة، الشاب المجهول اللي كان بيعيط في جنازة أخويا، الفلوس اللي جت تدفع الډفن من مجهول، والمكالمة في شهر مايو لما وقع فنجان القهوة أول ما سمع اسم شركته القديمة… الراجل اللي نمت جنبه 37 سنة هو قاټل أخويا.
الړعب هبدني. صبري كان هارب، والمكان الوحيد اللي راجل مذعور هيروح يداري فيه خيبته هو بيت الست اللي كان فاكر إنها اكتشفته. يا باشمهندس، راح الفيوم! راح يدور على أمي!، صړخت على أخر جهدي. ركبنا البوليس. في السكة، كلمت ابني مصطفى. اضطريت أكسر قلبه في التليفون. حكيت له كل حاجة الكلور، الساعة، خاله ممدوح. حصل صمت قبري، وبعده عياط مكتوم. أنا جاي يا أمي. والنبي ما تقعديش معاه لوحدك. إني أسمع ابني بيقول على أبوه هو قطع قلبي نصين.
وصلنا بيت أمي في الجبل أو البلد على ظهر الظهرية. البوابة كانت مفتوحة. دخلت أجرى على الحوش. من خلال باب السلك للصالون، شفت منظر هيفضل محفور في عيني

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *