لما دخلت الكلية أبويا جابني وفهمني إن ظروفنا صعبة شوية وإننا هنمشي على القّد في المصاريف، وإن كفاية مصاريف المواصلات وممكن أخد معايا أكل من هنا لأنه مش هيقدر يكفيني مصاريف أنا وأخواتي وإنه وافق غصب عنه على موضوع الكلية على أساس إني هتعاون معاه.. ورغم إن الموضوع كان صعب عليا ومش متقبلاه إلا إني لو اعترضت مكنتش هدخل الكلية من الأساس، المكان اللي بتمناه من كل قلبي ونفسي أعيش الحياة اللي ياما شوفتها في الأفلام والمسلسلات. . وفعلًا جهزت كل حاجة وروحت على الكلية أول يوم وأنا معايا سندوتشات زي العيال الصغيرين، وأبويا قعد معايا وحسب المواصلات رايح جاي وبقا بيديني بزيادة حاجة بسيطة عشان أي ظروف، وقالي إنه أكتر من كدا مش هيقدر يدفع تاني.. وانطلقت لعالم الكلية ورميت كل حاجة ورا ضهري، وهناك فعلًا كنت مبسوطة، مبسوطة إني بقابل ناس مختلفة وناس من بيئات كتير، شوفت حاجات أبهرتني وحاجات ضحكتني وحاجات كنت بتمنى فعلًا أعملها. . ومع الأيام بدأت أتعرف على ناس كتير بحُكم الدراسة، واكتشفت إني بس اللي فقيرة وسط العدد ده كله من الطُلاب، شوفت اللي بتاخد مصروف شهري، واللي بتاخد مصروف يومي كبير بيكفيها وزيادة، وشوفت اللي واخد الكريديت بتاعة والده وبيصرف براحته منها، الكل مرتاح ومعاه إلا أنا اللي يادوب بركب مواصلات بالعافية. . وكل مرة كنت بتحجج والبنات رايحين الكافتيريا بأي حاجة لأني مكنتش بعرف اشتري زيهم قهوة وشاورما وحلويات، وبدأوا يلاحظوا إني بتحجج كتير وواحدة منهم بقت تشتري ليا وليها أكتر من مرة وكنت باكل معاها ورفعت عني حرج كبير أوي.. وبرضه غصب عني كنت بحس بالنقص وسطهم، ليه أنا بس اللي كدا، وبقيت مش طايقة أبويا ولا بقابله ولا بسلم عليه، وكل ما كان بيرجع كنت بعتزل في أوضتي، لحد ما حصل في يوم موقف مُحرج ليا ومعرفتش أشتري كالعادة وروحت قعدت لوحدي لحد ما البنات ياكلوا ويشربوا. . ووسط مانا مخـ,ـنوقة ومتـ,ـضايقة لمحت شاب واقف قريب مني وكل ما حد يعدي من الطلاب يطلب منه اتنين جنيه لأن فلوسه خلصت وعايز يروح، والعجيب إن أغلبهم كان بيديله.. في نص ساعة بس حسبت اللي خدهم لقتهم 30 جنيه، مبلغ كفيل يجبلي سندويتش شاورما وقهوة مع البنات، ولما لاحظ إني براقبه ابتسم وأنا ابتسمت وتجاهلته بعدها، لكن الغريب إنه قرب مني وطلب إنه يتعرف عليا. . اتكلمت معاه واتعرفنا ولقيت نفسي بدون خجل ومرة واحدة بطلب منه ٢٠ جنيه، قولتله إني محتاجاها عشان أرجع البيت، والغريب إنه أدهاني بشرط إننا نقضي اليوم مع بعض، وفعلًا قعدنا وكلنا وشربنا قهوة وركبني كمان من برة الكلية.. وده كان اليوم الوحيد اللي كنت مبسوطة فيه أوي، وحاسة إني عملت كل حاجة كنت بتمناها، وتاني يوم اتقابلنا، وبدأ يحكيلي عن حاجات كتير خاصة في حياته، وإنه بقا بيستخدم الأسلوب ده وبيعمل فلوس كتير أوي يوميًا، في الشارع والمواصلات والكلية وكل حتة تقريبًا. . وقلي إنه بيتفنن في موضوع التسول ده، لدرجة إنه حكالي مواقف عجيبة كانت بتمـ,ـوتني من الضحك، وبقيت بقضي معاه نص اليوم، يتسول ونقسم الفلوس سوا، لحد ما اتعلمت منه وقالي إننا هنعمل شغل محترم مع بعض.. نزلنا اشترينا طقم شيك أوي وبقيت بمشي في الكلية اصطاد الشباب اللي واضح عليه إنه محترم ومهذب وأطلب منه ١٠ جنيه لأن فلوسي وقعت، وطبعًا بنت شيك ومهذبة وبتتكلم بخجل محدش هيرفضلها طلب، وبقيت بجمع يوميًا أكتر من ١٠٠ جنيه الصبح وأنا داخلة، وطبعًا كنت بغير وقفتي في أكتر من مكان عشان محدش ياخد باله مني. . ومع الوقت مبقتش حابة إنه يقسم معايا وبقيت بحاول أهرب منه وأسيبه، وبدأ يطاردني في كل مكان بروحه، لحد ما هددته إني هروح لعميد الكلية وإنه لازم يسبني لوحدي، أنا خلاص مش محتاجاه وبقيت بعمل أكتر من اللي بيعمله بمراحل.. وبقيت بنزل يوم مفيش فيه محاضرات وأعمل يجي ٢٠٠ جنيه وأصرف منهم طول الأسبوع مع البنات وأدلع نفسي، كنت مبسوطة أوي وطايرة من الفرحة واندمجت أكتر مع البنات، والشاب قرر يسبني خالص بعد ما فعلًا خاف أحسن أبلغ عنه وقال الطيب أحسن. . وعدت سنتين على الموضوع ده وبقيت بصطاد الشباب اللي في سنة أولى وتحديدًا أول أسبوع كلية وبعمل مبلغ حلو، وبقيت عارفة مين هيدفع ومين لا، وبقيت بزود في طلباتي وبقدر أجمع مبالغ حلوة، لحد ما قربت أكتر من واحدة زميلتي كانت عايشة مع أمها لأن أبوها كان منفصل عن أمها، كانوا عايشين في شقة في مكان راقي، والبنت دايمًا معاها فلوس مبتخلصش.. وفي يوم قالتلي إنها هتنزل البنك تسحب مبلغ كبير لأن أمها هتشتري عربية، وطلبت مني أروح معاها وبالمرة نقضي اليوم في شقتهم لحد ما أمها ترجع، معرفش ليه سرحت، سرحت في قيمة المبلغ اللي كان كبير أوي، مبلغ كفيل يخليني أتحرر تمامًا من سُلطة أبويا، وفضلت سرحانة وعمالة أتخيل لو المبلغ ده معايا لحد ما كلمتني وقالتلي هنأجل المشوار تلت أيام لأن المعرض اتأخر في تجهيز العربية وأمها مش هتسحب اليومين دول. . ولقيت نفسي بدون وعي ببعت لعاطف اللي استغرب جدًا، قولتله إنه وحشني وأعتذرتله على اللي عملته معاه، وفورًا حكيتله اللي بفكر فيه واتفاجئت إنه رسم خِطة في لحظة وقالي إن الموضوع سهل جدًا، ونقدر ناخد الفلوس بدون ما أي حد يحس بينا، المهم أحاول أسرق المفاتيح من شنطة صاحبتي تاني يوم وهو في ساعة هيطلع عليها ويرجعلي. . وفعلًا طلبت شنطة صاحبتي عشان أخدها معايا الحمام لأنها معاها ميك أب فيها، وخدت المفاتيح وعاطف طلع عليها في أقل من ساعة ورجعهالي، وأنا بكل هدوء رجعتها لصاحبتي، وروحت معاها في اليوم اللي اتفقنا عليه، وسحبنا الفلوس ورجعنا على شقتها.. طلبت منها تعملنا شاي وحطيت لها فيه مخدر كان عاطف جبهولي، وشربنا الشاي وسبتها ومشيت عشان بعد نص ساعة نرجع وناخد الفلوس بسهولة. . وفعلًا طلعنا الشقة بكل هدوء لأنها عمارة فيها مكاتب وعيادات كتير، فتحنا الباب ودخلنا، وقدام عنيا لقيت شنطة الفلوس محطوطة قدامي في الصالة، جرينا عليها وطلعنا الفلوس وفضلنا نبص لبعض بفرحة غير طبيعية.. وفي اللحظة دي لقيت صاحبتي قدام عنيا خارجة من الحمام، أول ما شافتنا واستوعبت الموقف بدأت تصرخ بأعلى صوتها.. اتوترت، اترعبت، ومبقتش عارفة أعمل إيه، لكن عاطف في لحظة طلع مطـ,ـوة من جيبه وطـ,ـعنها تلت طـ,ـعنات خلاها تسكت للأبد، وقفت مرعـ,ـوبة من الموقف فضل يطمن فيا وخدني ومشينا بالفلوس كلها، وقعدنا على كافيه مش قادرة أتلم على أعصابي.. قالي إنه هيجبلي حاجة تهـ,ـديني وطلب عصير وبعدين دخل الحمام، لكنه مرجعش، فضلت مستنياه لحد ما لقيت رسالة بتقول، لو اتكلمتي هتاخدي إعدام معايا، يبقا الأحسن تسكتي والفلوس دي حقي لأن أنا اللي علمتك المهنة من أول يوم يا غدارة. . وقعدت مكاني هتجنن ومش قادرة أستوعب اللي عمله، مش معايا تمن المشاريب في الكافيه الغالي ده ومش عارفة أعمل أيه لحد ما هربت من غير ما أدفع، وبعد يومين انتشر خبر قتـ ـل صاحبتنا في الكلية والشرطة طلبتنا للشهادة، وكلهم قالوا إني آخر واحدة كنت معاها وخرجنا سوا وكنت أقرب واحدة ليها.. وهناك كان واضح أوي إني متهمة، ساوموني أعترف وهبقا شاهدة وبس، ومن رعبي وقلقي ورغبتي في الانتقام اعترفت على عاطف وشيلت معاه القضية ودمرت مستقبلي ومستقبل عيلتي كلها.. أحيانًا ربنا بيختبرك ويخليك تظن إنك أقل من اللي حوليك، سواء ماديًا أو في المكانة أو حتى في العِلم، وقتها لازم تتأكد إن ربنا اختارك لحِكمة كبيرة، اختارك تكون مميز مش أقل منهم، اختارلك طريق له أجر عظيم لو رضيت وسعيت بالحلال إنك تكون زيهم وأحسن، اختارك عشان يكتبلك أجر الرضا العظيم، لكن أغلب الناس للأسف بيفتكروا إن ده نقص مش ميزة وبيقرروا يتساووا مع اللي حوليهم بأي طريقة، وده للأسف بيعمل مصـ,ـايب. . (وارْضَ بما قسم اللهُ لكَ تَكُن من أَغْنَى الناسِ) أخرجه الترمذي بقلم/ أحمد محمود شرقاوي