يوم الجمعه
خوفك الجبان ده ضيع عشرة سنين بيني وبين جوزي، خوفك ساب جوزي يفتكر إني باخد من فلوس أكلهم وأودي لأهلي! إنتي عارفة حماتك قالت إيه لعصام في ودنه وهو بيضربني؟ قالتله تلاقيها بتبعت لأمها وأخوها العاطل من ورانا! طعنتني في أصلي يا سمر! وإنتي واقفة… باصة في الأرض زي تمثال الخشب!
فضلت أبكي على الأرض وأنا بمسح دموعي بطرحتي، الذنب كان حبل مشنقة ملفوف حوالين رقبتي وبيخنقني ببطء
أنا هروح دلوقتي لحماتي… هروح لعصام وأقولهم، هبوس راسهم ورجلك قدامهم كلهم، هقول الحقيقة والله العظيم، مش هسيبك تتطلقي بسببي!
منار ابتسمت بسخرية مريرة، نظرة كلها يأس خلت قلبي ينقبض أكتر
تروحي تقولي إيه دلوقتي؟ تروحي تقولي بعد إيه يا فالحة؟! بعد ما اتضربت؟! بعد ما اتهنت واترمت هدومي على بسطة السلم؟! بعد ما الكل شافني خارجة بفصل عيالي والناس في الشارع كانت بتتفرج علينا وبتتساسى على فضيحتنا؟! لو روحتي دلوقتي وقولتي الكلام ده، تفتكري مين هيصدقك؟
بصيتلها برعب
يعني إيه؟ مش هيصدقوني ليه والسمك في الكيس اهو؟!
وطت عليا تاني، وقالت بصوت مفروم بالمرارة
حماتك هتقول إنك بتستعطفي عليا وعاوزة تشيليني الليلة عشان طيبة! هتقول إنك بتألفي قصة عشان تلمي الموضوع وخلاص! وعصام؟ عصام اللي كبريائه ملهوش حدود، تفتكري لو عرف إنه ضربني وطلقني وطردني ظلم عشان سمك أكلته قطة، هيجي يعتذرلي ويبوس راسي ويقول حقك عليا؟! الراجل ده مابيعتذرش يا سمر! الراجل ده لو عرف الحقيقة دلوقتي هيكرهني ويكرهك ويكره نفسه، وهيصر على الطلاق عشان ميطلعش عيل وغلطان قدام أمه وإخواته! إنتي متعرفيش طبيعة عيلة جوزك ولا إيه؟!
كلامها نزل عليا زي الصاعقة.
منار كانت بتقول الحقيقة اللي أنا كنت بتعامى عنها. عصام أخو جوزي راجل دمه حامي، كبرياؤه أهم عنده من أي حاجة في الدنيا، عمره ما غلط نفسه في موقف، وحماتي ست متسلطة لأبعد الحدود، لو دخلت عليها دلوقتي بالحقيقة، مش بعيد تقلب الطربيزة عليا أنا وتقول إني عملت كده عن قصد عشان أوقع بينها وبين منار، أو تقول إننا متفقين سوا بنمثل فيلم عشان نغطي على سرقة تانية!
قومت وقفت بالعافية، ساندة على الحيطة، حاسة بوجع فظيع في ضلوعي من كتر القهر
طب أعمل إيه يا منار؟! قوليلي أعمل إيه وأنا هعمله، والله العظيم اللي تؤمريني بيه هنفذه، بس سامحيني… متسيبينيش بالذنب ده هيقتلني!
منار بصت في الأرض شوية، أنفاسها كانت بتهدى ببطء، بس عينيها كانت بتلمع بتفكير غامض، تفكير فيه حزن شديد وقرار تقيل.
رفعت راسها وبصتلي
أنا مش مسمحاكي يا سمر… على الأقل مش دلوقتي. الجرح طازة ولسه بينزف، ووشي لسه وارم من القلم. بس أنا مش هخرب بيتي عشان غلطتك، ومش هسيب عيالي يتشردوا عشان جبنك.
هتعملي إيه؟ سألتها بلهفة وخوف.
قربت مني، ومسكت دراعي جامد، وقالت بصوت واطي وحاسم
الحقيقة هتتقال… بس مش بالصوت العالي ولا بالطريقة اللي تخلي الكل يقف ضدنا. الحقيقة هتتقال بطريقة تكسر مناخير حماتي من غير ما تجرح كبرياء عصام، وتخليكي إنتي تدفعي تمن سكوتك وجبنك من غير ما تفتحي بؤك بكلمة تانية تفضحك أكتر.
برقت عيني برعب
إزاي يعني؟ قصدك إيه؟
بكرة الصبح، الجمعة بتخلص ويبدأ السبت، حماتك بتنزل السوق بدري تشتري طلبات الأسبوع للبيت كله… وعصام بيكون قاعد في الشقة تحت عند أمه مبيخرجش لحد الضهر، هتروحي…
وقبل ما منار تكمل جملتها، رن تليفونها بنغمة عالية فزعتنا إحنا الاتنين.
طلعت التليفون من جيبها بسرعة وبصت في الشاشة، وشها شحب تماماً وعينيها اتسعت بخوف
ده تامر جوزك… بيكلمني ليه؟!
مسكت التليفون بايد بتترعش وفتحت الخط، وفتحت الاسبيكر عشان أسمع معاها، وصوت تامر طلع من السماعة مشوش ومخضوض، صوت راجل بيجري في الشارع ونَفَسه مقطوع
الو يا منار؟! إنتي فين؟! الحقي يا منار… عصام اتخانق مع واحد في القهوة وجابوله الإسعاف، ونزلنا بيه على المستشفى العام، وأمي أغمى عليها تحت على السلم والشارع مقلوب! انزلي بسرعة شوفي العيال عند مين!
الخط قطع فجأة، وبصينا لبعض أنا ومنار والذهول والرعب مالين المكان، الكيس اللي فيه بواقي السمك فضل واقع على الأرض، كأنه شاهد أخرس على خراب أكبر كان لسه بيبدأ يتبع
التليفون وقع من إيد منار على سجادة الصالة، وصوت الصدمة عمل صدى في الشقة كلها.
فضلت باصة للشاشة اللي اسودت كأنها مش مستوعبة، شفايفها كانت بتترعش من غير ما يطلع منها صوت، وبعدين فجأة شهقت شهقة طويلة كأن روحها بتتسحب، وصرخت عصام! عيالي… يا لهوي يا أبو يوسف!
رجليها مالت وخانتها وكانت هتقع على وشها، لكن مدّيت إيديا الاتنين ولحقتها بالعافية. كان جسمها كله بينتفض زي الطير المدبوح، وأنا دموعي كانت مغرقة وشي ورعبي بيصرخ جوايا كل ده بسببي… كل الخراب ده عشان كدبة، عشان قطة، عشان سمك زفت كان لازم أنطق عشانه!
اهدي يا منار ونبي، البسي طرحتك، هننزل دلوقتي… هننزل سوا والله ما هسيبك! قولت الجملة دي وأنا مش عارفة بجيب القوة منين، بس كان جوايا إحساس غريب إن دي اللحظة الأخيرة؛ لو سكتت تانية واحدة كمان، البيت مش بس هيتخرب، ده هينهار فوق دماغ الكل ومش هتقوم له قومة أبداً.
نزلت منار تجري على السلم وأنا في ديلها، كانت نازلة حافية وبتعدل طرحتها على السلم وهي بتنهج. أول ما وصلنا مدخل العمارة، لقينا نسوان الحتة متجمعين حوالين شقة حماتي. الباب كان مفتوح على آخره، وصوت صريخ وبكا طالع من الصالة، وأم إبراهيم جارتنا واقفة على العتبة بماية بسكر وبترش على وش حماتي اللي كانت ممدة على الكنبة والضغط واطي وموشوش عليها.
أول ما النسوان شافوا منار، العيون كلها اتعلقت بيها بنظرات شماتة على عتاب على همهمات توجع القلب. واحدة همست للتانية مش دي اللي طردوها بعد العصر؟ راجعة ليه؟ منار وقفت متخشبة على الباب، وشها مطعون ومكسور، كأن كل خطوة بتدوس على كرامتها. بس حماتي في اللحظة دي فتحت عينيها بتثاقل، ولما لمحت منار، الدم رجع في عروقها على شكل سم وزعيق مفاجئ جاية ليه يا غراب البين؟! جاية تشوفي عمايلك في ابني؟! ابني دمه سايح في المستشفى بسببك وبسبب قلة أصلك وفضايحك! طالع القهوة عينه في الأرض من سيرتك وسيرة سرقتك، ولما راجل غريب نغزه بكلمة مسك فيه وفلقوا راسه! اطلعي برا بيتي… اطلعي برا، وشك فقر ونحس على عيالي!
الكلمات نزلت على منار زي السياط، رجعت خطوتين لورا وسندت على كتفي، دموعها كانت بتنزل ساكتة… السكوت اللي بيقتل أكتر من الصريخ. وفي اللحظة دي، حسيت بحاجة طقت في نافوخي. الخوف اللي كان شالني من الصبح اتبخر فجأة، وحل مكانه غضب أعمى من نفسي ومن الظلم اللي بيحصل قدام عيني. شوفت وش منار المضروب، وشوفت عيالها الصغيرين اللي كانوا جايين بيجروا من أول الشارع بعد ما أم مريم جابتهم، وشوفت يوسف ابنها الكبير داخل بيعيط وهو ماسك في عباية أمه ويقول ماما… بابا مات؟ بابا مش هيرجع تاني؟
المنظر ده حرق كل جبن جوايا.
زقيت الباب برجلي ودخلت في نص الصالة بصوت هز الجدران، صوت عمري ما طلعته في بيت العيلة من يوم ما دخلته عروسة كفاية بقى! كفاية ظلم وافترى على الولية… كفاية تقطيم في لحم الغلابة ورمي بلا!
الكل سكت في ثانية. النسوان بصولي بذهول، وحماتي عدلت ضهرها وعينيها برقت بشرارة إنتي بتقولي إيه يا مقصوفة الرقبة؟! اتجننتي ولا خلاص مابقاش ليكي كبير؟! لا، متجننتش يا مرات عمي، أنا فوقت! قربت منها ووقفت قصادها وش لوش، إيديا كانت بتترعش بس صوتي كان ثابت كأنه رصاص منار مخدتش سمكاية واحدة، منار مش حرامية، ومنار أشرف من أي كلمة اتقالت في حقها النهاردة!
حماتي بصتلي باستنكار وضحكت باستهزاء وبتحلفي عليها ليه يا محامية الغبرا؟ هو إنتي اللي شريتي ولا إنتي اللي وزنتي؟! السمك كان ناقص كيلو بحاله! السمك كان تلاتة كيلو مظبوطين على الميزان وطلعوا قدامي فوق السطوح! صرخت وأنا بمسح دموعي بقهر أنا اللي ضيعت السمك! أنا اللي ولعت الفرن ونسيت الولاعة، ونزلت وسيبت الصينية، ولما طلعت لقيت قطة السطوح غارزة سنانها في تلات سمكات كبار ومبهدلاهم! أنا الجبانة اللي خفت من لسانك ومن لومك قولت هتقولي عليا مهملة ومش وش مسؤولية، فرميت التلات سمكات في برميل الزبالة وشويت الباقي ونزلت بيه وسكتت!
الصالة اتملت بسكون رهيب، سكون تقيل زي طوبة اتحدفت في ماية عكرة. النسوان حطوا إيديهم على بؤهم من الصدمة، وحماتي فكت بؤها وبصتلي وهي مبرقة عينيها ومش مصدقة اللي بتسمعه.
كملت وأنا ببكي بحرقة وبشاور على منار سكتت وخليتكم تنهشوا في عرضها وأمانتها! سكتت وخليت جوزها يمد إيده عليها ويطلقها عشان خوفي النجس! منار دورت ورايا وطلعت السمك من زبالة السطوح وعرفت السر وجاتلي شقتي تعاتبني ومرديتش تفضحني قدام تامر! لو في حد يستاهل يطرد من البيت ده وراسه تتداس بالأقدام فهو أنا… مش هي!
حماتي لسانها ارتبك، حاولت تبلع ريقها وتجمع كلمتين، ملامحها اتغيرت من الغل للارتباك والإحراج قدام الجيران، وقالت بصوت مهزوز مش طالع زي الأول وإنتي… إنتي إزاي تسيبي البيت يولع وتسكتي يا سمر؟! إزاي تهوني عليكي تفرقي بين راجل ومراته عشان حتة زفرة؟! عشان خفت منك! رديت عليها وأنا ببص في عينيها من غير خوف عشان إنتي مابتسامحيش في هفوة، عشان دايمًا ماسكة لنا على الغلطة وبتستني أي حاجة عشان تكسرينا بيها! بس الخوف ده ضيع راجل وشتت عيال، ودلوقتي ابنه في المستشفى مش عارفين عايش ولا ميت… مبسوطة دلوقتي؟! ارتحتي لما البيت اتخرب؟!
حماتي سكتت، وبصت في الأرض للمرة الأولى من سنين طويلة، ملقيتش كلمة واحدة ترد بيها قدام عيون الجيران اللي بقت كلها نظرات لوم وعتاب ليها.
منار قربت مني ومسكت إيدي، كانت بتبصلي بذهول وعينيها مليانة دموع، بس المرة دي ماكنتش دموع قهر… كانت دموع راحة، كأن جبل انزاح من على صدرها قدام الكل.
يلا نروح المستشفى يا سمر… قالتها بصوت واطي ومكسور عصام هناك لوحده، يلا نلحق الراجل.
سيبنا البيت وسيبنا النسوان وحماتي غرقانين في خجلهم وخيبتهم، وخدنا تاكسي على المستشفى العام. الطريق كله كان عبارة عن سباق مع