جوزي

الشغل عشان كانت قرفانة من مطامع الناس في ثروتها، ولما قابلتك، كانت شايفة إنك إنسان عصامي وبتحبها لنفسها. المصروف اللي كنت بتديهولها؟ كانت بتاخده وتدفعه للاّمِن والبوابين في الشارع من غير ما تحسسك بعقدتك. لكن حضرتك استغليت هدوئها وطيبتها، وقنعت نفسك إنها ضعيفة ومالهاش ظهر. طارق انهار على الكرسي، عرق بارد نازل من وشّه، صوته بقى زي الهمس طب وهي.. هي عايزه إيه دلوقتي؟ عايزه تتطلق؟ الأستاذ طاهر قفل الملف بضربة واحدة حادة هزت الطاولة الطلاق ده التزامات ثانوية هنيجي لها. دلوقتي فيه إجراءات عاجلة. اتفضل دي الاستمارة الرسمية لإلغاء تفويضك في إدارة أي أوراق، وده إخطار رسمي بضرورة إخلاء الفيلا خلال 24 ساعة ونقل متعلقاتك الشخصية فقط لشقتك القديمة في حدائق القبة. فاطمة صرخت حدائق القبة؟! نرجع الشقة القديمة اللي كاريينها من زمان؟! طارق أنت لازم تتصرف! كلمها! اعتذر لها! قولها إننا كنا بنهزر! طارق بصلها بعيون ميتة، ما قدرش ينطق حرف. المحامي وقف، لبس نظارته الشمسية وقال وهو بياخد شنطته وعلى فكرة يا طارق بيه.. البنك اللي فيه حسابك الشركاتي الصغير اللي كنت فتحته الشهر اللي فات؟ المحفظة الاستثمارية للشركة طلعت مملوكة لشركة القابضة بتاعة والد مدام مريم.. واليوم الصبح تم تجميد كل التسهيلات الكريديت الخاصة بيك لعدم كفاية الضمانات. طارق قام وقف بالعافية، كأنه عاجز عن الحركة أنتم بتدمروني؟ عشان موقف في قطر؟! الأستاذ طاهر بص له عند البوابة وقاله قبل ما يمشي أنت ما دمرتش نفسك عشان موقف في قطر يا طارق.. أنت دمرت نفسك لما افتكرت إن صبري الست ونبلها نقطة ضعف، ولما سبت أم ابنك اللي شايلة ابنك في بطنها واقفة على رجلها وبتتلوى من الوجع عشان تقعد أختك وتطلب عصاير فريش. بكرة الساعة 10 صباحاً هتوصلك قائمة الدعاوى القضائية.. القضايا مش بس طلاق، دي قضايا حجر وتبديد واسترداد أصول. سابهم المحامي ومشي، وساب طارق وفاطمة واقفتين في وسط الجنينة، الصوت الوحيد اللي مسموع هو صوت الهواء، والورق اللي بيلف حوالين رجليهم. طارق بص لأخته وقال بنبرة مليانة حسرة وندم ملوش قيمة كنت فاكرها مالهاش حد.. طلعت هي اللي كانت ساترتنا ومغطية عيبنا. الشمس كانت طالعة في التجمع الخامس بنور دافي، بس الجنينة بتاعة الفيلا كانت مقفرة. طارق واقف في أراضيها، وشه شاحب، وإيديه بتترعش وهو بيقلب في الأوراق القانونية اللي سابها الأستاذ طاهر على الطاولة الخشب. كل ورقة كانت عبارة عن صفعة بتصحيه من كابوس دام سنتين.. أو بالأحرى بتصحيه من وهم كان عايش فيه وراسمه لنفسه.
فاطمة أخته كانت قاعدة على الكرسي وجسمها كله بيتفض. المشروبات الباردة والحلويات اللي كانت بتطلبها في صالة ال VIP بالقطر وهي بتتريق على مريم مرّت قدام عينها زي شريط سينما، بس المرة دي بطعم المُر.
طارق.. هنعمل إيه؟ صوته طلع مبحوح ومذعور. يعني إيه نرجع شقة حدائق القبة؟ يعني إيه الشفرة متغيرة والفيلا مش بتاعتنا؟ طارق اتكلم! اتصل بعمك تاني.. اتصل بمريم، خليهم يرحمونا! إحنا ملناش مكان نروح فيه، وأنت عارف إن شقة ماما هناك متأجرة وفيها سكان وبقيلها سنة عشان العقد يخلص!
طارق ما ردش. صوته كان محبوس في زوره. مسك تليفونه تاني بأصابع متلجة وطلب رقم مريم.. المرة دي التليفون رن!
قلبه دق بشدة من الأمل، حط التليفون على أذنه وهو بيتنفس بسرعة
مريم! مريم ردّي عليا أرجوكِ! مريم أنا أسف.. أنا والله العظيم ما كنت أقص
الخط ده تحت الإدارة القانونية لمكتب الأستاذ طاهر يا طارق بيه.
الصوت ما كانش صوت مريم. كان صوت السكرتيرة التنفيذية لمكتب المحاماة.
مدام مريم موبايلها مقفول بأوامر طبية وممنوع عنها أي اتصالات قد تسبب لها إجهاد عصبي. أي محاولة للتواصل المباشر معها أو الاقتراب من مقر إقامتها الحالية أو المستشفى هتُعتبر مضايقة صريحة وهنصدر ضدك أمر بعدم التعرض فوراً. أرجو إن الرسالة تكون وصلت.
السكرتيرة قفلت الخط قبل ما ينطق بكلمة.
طارق مسك التليفون ورمى بيه في النجيل بغل والحسرة. القوة اللي كانت عنده، الفشخرة اللي كان بيعملها قدام زمايله في الشركة، الكلمة اللي كان بيمشيها على مريم لمجرد إنه فاكر إنها محتاجة له.. كل ده انهار في لحظة. افتكر يوم الجواز، لما مريم قالت له بابتسامة هادية وهي ماسكة إيده أنا مش عايزة منك غير إنك تتقي ربنا فيا يا طارق.. الفلوس والظروف بتروح وتيجي، بس الحنية والأصل هما اللي بيبقوا.
ساعتها طارق افتكر إنها بتقول كده عشان هي فقيرة أو مكسورة الجناح ومالهاش عيلة تنصفها، فساق فيها وعاش دور البطل المعطاء!
أنا لازم أروح للمستشفى.. قال طارق وهو بيلف حوالين نفسه. أنا لازم أشوفها بنفسي. هي أكيد مش هتهون عليها العِشرة.. مريم بتحبني، أنا عارف إنها بتحبني! هي بس زعلانة عشان اللي حصل في القطر.. هروح أعتذر لها وأطلب منها السماح، هي قلبها أبيض وست طيبة وبتسامح!
فاطمة قامت وقفت وجريت عليه، مسكت في هدومه
أيوة يا طارق! روح لها! استسمحها، اعتذر لها قدام كل الناس، وقولها إن فاطمة أختك كانت غلطانة وأنا مستعدة أروح أبوس رأسها وأخدمها وهي حامل لحد ما تولد! طارق إحنا لو اتفضحنا في العيلة وعمي عرف، وسر الشركة والتجميد ده اتعرف، إحنا هنضيع!
طلعت فاطمة وطارق بيجروا على بوابة الكمبوند. أفراد الأمن كانوا واقفين بيبصوا لهم بنظرات ساخرة. السائق الخاص اللي كان طارق بيؤمره وينهى عليه ويقوله جهّز العربية يا حسن جه وقف قدامه، وبص له بمنتهى البرود
طليق الهانم.. الأستاذ طاهر بلغنا إن مفاتيح العربية الرينج روفر تسلمها فوراً، لأن العربية مسجلة باسم الشركة القابضة المملوكة لوالد مدام مريم، وحضرتك مالكش حق استخدامها بعد النهاردة.
أنت بتكلمني كده إزاي يا جدع أنت؟! صرخ طارق وهو بيفقد أعصابه. أنت نسيت نفسك ولا إيه؟!
الحارس الرئيسي للكمبوند قرب بثبات وحط إيده على كتف طارق بقوة
يا أستاذ طارق، بلاش مشاكل. أستاذ طاهر جابلنا أمر كتابي وإخلاء رسمي. المتعلقات الشخصية بتاعتك أنت وأختك هتتلم في شنط وتتحط برة البوابة الساعة 2 الضهر. لو سمحت سلم المفاتيح واطلع برة الكمبوند بهدوء عشان ما نطلبش النجدة وتعمل لنفسك فضيحة على الفاضي.
طارق رمى المفاتيح في وش السواق، وجر أخته من إيدها وخرجوا برة الأسوار العالية.
الشمس كانت حارقة، والرصيف كان ناشف ومفيش حتى ظل يقعدوا تحته. طارق وقف على شارع التسعين في التجمع، التاكسيات بتعدي من قدامه وهو مش قادر يستوعب إنه من بضعة أيام كان بيمشي بالعربية الفارهة وبيأمر ويطاع، ودلوقتي واقف على الرصيف مش لاقي مكان يروح فيه!
هنروح فين دلوقتي يا طارق؟ فاطمة قعدت على الشنطة الصغيرة اللي كانت معها وبدأت تعيط بانهيار. الشارع؟ هنقعد في الشارع بالشنط؟!
اسكتي بقى! اسكتي خالص! زعق طارق وهو بيمسك دماغه. على حدائق القبة.. هنروح لشقة ماما. هخلي البواب يكسر القفل أو نطرُد الساكن بأي طريقة.. تصرفي معايا تكسي بسرعة.
أخدوا تكسي وطلعوا على حدائق القبة. المنطقة الشعبية القديمة اللي طارق كان بيستعار ينطق اسمها قدام صحابه وأصحاب مريم.
وصلوا العمارة القديمة. الشارع ضيق، والمبنى المتهالك والسلالم المكسورة كانت استبصار قاسي للواقع الجديد.
طلعوا الدور التالت، وطارق خبط على الباب بعنف شديد.
فتح الساكن، راجل كبير في السن ولابس جلابية، بص لطارق بضيق
خير يا أستاذ طارق؟ في إيه بتخبط كده ليه كأن البيت بيولع؟
عم إبراهيم.. أنت لازم تفضي الشقة دي فوراً! قال طارق بصوت مرتعش. أنا محتاج الشقة ضروري جداً النهاردة!
الراجل العجوز بص له باستغراب وضحت ضحكة سخرية
أفضي إيه يا ابني؟ أنت شارب حاجة على الصبح؟ أنت دافع الإيجار مقدم لسنة كاملة والعقد بتاعي ينتهي بعد سبع شهور!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *